عزيزتي نور، تحية طيبة أينما كنتِ، على عيني أن أتأخر عليكِ كل هذا الوقت في الرد على رسالتك التي تفضلتي بإرسالها لي منذ أكثر من شهرين من تاريخ كتابتي لكِ هذه السطور، وأنا والله لم أتعمد أن أرجئ الرد على رسالتك كل هذا الوقت، وأنتِ تعلمين جيدًا من خلال معرفتك بي أنني لم أعتد على هذا، كل ما في الأمر، أني تلقيت رسالتك في وقت كانت نفسي فيه مكسورة بعد أن مررت بأزمة تركت آثارًا سلبية في روحي، ولا أبالغ إذا قلت لكِ إنها كادت أن تقتل أخيكِ الذي عرفتيه قبل سنوات وتحوله إلى شخص آخر، ولولا وقوف الأحباء بجانبي ما كنت أستطيع أن أكتب إليكِ هذه السطور الآن، بل إني حتى اللحظة التي أكتب إليكِ فيها ما زلت أحاول أن أتجاوزها، فادعِ لي أن يعينني الله على تجاوزها.

أعرف أنه بمجرد ما تقع عينيكِ على هذه السطور ستنسين كل آلامك وأحزانك ومعاناتك التي حكيتِ لي عنها في رسالتك، وسيكون شغلك الشاغل هو تقصي ما تعرضت له، لكي تحاولي كعادتك أن تقدمي لي مساعدة أو نصيحة مفيدة تنتشلني من الهم الذي أنا فيه، وهذا ما لا أريده، لا لأني لا أحتاج إلى نصائحك، فالحق يقال إني في أمس الحاجة إلى أي نصيحة منكِ، ولكن لأن أي أزمة من الممكن أن أمر بها ستكون في منتهى التفاهة أمام ما تعرضتِ وما زالت تتعرضين له أنتِ وأقرانك، فما بالك إذا كانت هذه الأزمة أزمة عاطفية، لذلك لا داعي للخوض في تفاصيل ما مررت به، فأنتِ لا يرضيكِ أن يلعن كل من يتورط في قراءة هذه السطور فيّ، أو ألعن أنا في نفسي حين أقرأ هذه السطور مرة ثانية بعد سنوات من كتابتها إذا مد المولى عز وجل في عمري.

صراحة لم يكن هذا هو السبب الوحيد الذي حال دون أن أرد على رسالتك وقت ما أرسلتيها لي، ولكن محتوى رسالتك في حد ذاته أربكني وعقد قلمي ولساني، لاسيما أنك استهليتِ رسالتك بتوجيه تساؤل لي طالما سألته إلى نفسي ما هي الفائدة من استمراري في الكتابة عن معاناة المستضعفين، هل الكلمات التي نسطرها سواء أنا أو أي زميل آخر مهتم بالحديث عن معاناتهم ستساهم ولو بواحد في المائة في رفع المعاناة عن من يموتون من البرد ومن الجوع ومن الخوف والقلق من المستقبل؟ هل هذه الكلمات ستحرك ساكنًا بمن هم بيدهم مقاليد الأمور وبيدهم أن يرفعوا القليل من هذه المعاناة عن المستنزفين تحت وطأتها؟

بالطبع لا، هذه السطور لم ولن تحرك ساكنًا في من بيدهم شيء يقدمونه لهم لأن كما قلتِ في رسالتك «العالم عارف إننا بنموت»، وأنا أنضم إليك في مقولتك، القاصي والداني يعلم المعاناة التي ما بعدها معاناة التي تعرض إليها وما زال يتعرض إليها آلاف السوريين والسوريات، والعالم كله يعلم أن السفاح مثل أبيه بشار هو المتورط الرئيس فيما تعرضتم له، ولم يُتخذ حتى الآن موقف جاد من أي مسؤول عاقل في العالم بيده أن يقدم أي شيء تجاه هذا السفاح.

نعم يا نور كلماتي هذه هي حيلة البائس المنهزم الذي لا يوجد شيء يقدمه لمن تنتهك آدميتهم آناء الليل وأطراف النهار على مرأى ومسمع من الجميع إلا هذه السطور، والتي يعلم مسبقًا أنها لن تقدم أو تأخر شيئًا على أرض الواقع، وإن كانت متنفسًا له تحول دون – والله العظيم- موته كمدًا، ولكنه يثق أنها ستجلب اللعنات على العالم أجمع، وسيدعي من يقرأها الله بتعجيل يوم القيامة حتى يرى عدالة السماء الأكيدة عند ملك الملوك بعد أن دهسها ملوك الأرض بأحذيتهم.

هذا المقال يعبر عن رأي كاتبه ولا يعبر بالضرورة عن ساسة بوست

عرض التعليقات
تحميل المزيد