ورد في قاموس أكسفورد تعريف الدبلوماسية بأنها إدارة العلاقات الدولية عن طريق المفاوضات والأسلوب الذي يستخدمه السفراء والمبعوثون لإدارة وتسوية هذه العلاقات، وعرفها شارل كالفو بأنها علم العلاقات القائمة بين مختلف الدول، كما تنشأ عن مصالحها المتبادلة وعن مبادئ القانون الدولي ونصوص المعاهدات والاتفاقيات، وهي ضرورية لقيادة الشؤون العامة ومتابعة المفاوضات.

وعلى الرغم من اختلاف المفكرين والمنظرين في وضع تعريف ثابت للمصطلح، فإنه يتضح من التعاريف المختلفة لكلمة الدبلوماسية، وإن اختلفت الزاوية التي يرتكز عليها الباحثون في بناء رؤاهم حول المصطلح وتعريفه، أن هنالك عناصر أساسية للدبلوماسية وممارستها بوصفها حاجة ضرورية في قيام العلاقات بين الوحدات الدولية بناء على الظروف الاقتصادية، الاجتماعية والتطور العلمي والتكنولوجي الهائل الذي شهده المجتمع الدولي، والذي أدى إلى تشابك العلاقات والمصالح وتطورها.

وعلى الرغم من أنَّ الرسائل أصبحت سريعة الوصول من دولة إلى أخرى في يومنا هذا، فإن اللقاءات الشخصية ضمن البعثات الدبلوماسية ومهام السفراء والمبعوثين تمثل أساس الدبوماسية التقليدية، فالدبلوماسية الرسمية هي نظام دائم من التواصل الرسمي بين الدول، ومن ذلك السفراء، وبقاء السفارات في العواصم الأجنبية، وإرسال الرسائل بواسطة مبعوثين مؤهلين رسميًّا، والمشاركة في المؤتمرات والقمم التي تجمع الدول على طاولة واحدة.

وقد تميزت سنة 2020 بشل حركة البعثات الدبلوماسية الرسمية بين الدول؛ كون جائحة كورونا قد حالت دون ذلك ودفعت العالم نحو اتخاذ تدابير استثنائية بسبب سرعة تفشيه، التي أصبحت تهديدًا عالميًّا.

حيث ألغيت مؤتمرات اعتيادية وطارئة، وزيارات ثقافية وسياحية، ومهرجانات ومعارض وفعاليات رياضية على التوالي.

وقد دفعت التحولات التي أحدثتها الثورة المعلوماتية إلى إعادة تعريف الدبلوماسية، فيعرفها جوردن سميث على أنها «فن التقدم والحفاظ على المصالح القومية من خلال تبادل المعلومات بين الحكومة والدول والجماعات الأخرى»، وركز التعريف على دور الاتصالات في بروز فاعلين آخرين، ومن ثم فإن ظهور الفاعلين الدبلوماسيين خارج نطاق الدولة أصبح أحد أهم ملامح العلاقات الدولية المعاصرة.

ولأن العالم يعيش تسارعًا هائلًا في الأحداث، وجب إيجاد بدائل خلال الأزمات ذلك أن تغير الوسائل يساير ما يحدث في العالم من وقائع متغيرة، فقد فتح انتشار فيروس كورونا وتأثيره في سير العلاقات بين الدول بابًا جديدًا لعصر الدبلوماسية الرقمية أو الافتراضية.

ما زال مصطلح الدبلوماسية الرقمية يبحث عن تعريف محدد كونه مصطلحًا حديثًا، لكن من المؤكد حسب جميع المؤلفين والباحثين أن الدبلوماسية الرقمية هي شكل من أشكال الدبلوماسية العامة أو امتداد للدبلوماسية التي اتخذت شكلًا جديدًا لمسايرة العولمة، فالدبلوماسية الرقمية تنطوي على استخدام التكنولوجيات الرقمية ومنصات وسائل التواصل الاجتماعية، مثل «تويتر» و«فيسبوك» وغيرها، من قبل الدول في تمرير قراراتها وتثبيت علاقاتها مع الدول الأخرى.

وليس هناك تعريف متفق عليه للدبلوماسية الرقمية، إلا أن أبسط تعريفاتها يشير إلى أنها تعبر عن استخدام شبكة الإنترنت وتكنولوجيا الاتصالات والمعلومات للمساعدة على تنفيذ أهداف الدبلوماسية، أو أنها تعبر عن عملية توجيه الإنترنت وتكنولوجيا الاتصال الحديثة للتواصل مع جمهور خارجي بهدف خلق بيئة تمكين للسياسة الخارجية لبلد ما، ذلك أن الدبلوماسية في الأصل هي إحدى وسائل تحقيق السياسات الخارجية للدول.

وقد أثبتت جائحة كورونا حاجة الدول إلى مسايرة ما يحدث في العالم على مختلف الأصعدة، وأكدت أهمية الدبلوماسية الرقمية وضرورة بدء الدول في تنظيم نشاطاتها الداخلية والخارجية بناء على هذا المصطلح لتيسيير العمل الدولي ومتابعته؛ ذلك أن الدول انتقلت إلى إقامة مؤتمراتها افتراضيًّا، حيث نظمت اللجنة الدولية للتغيرات المناخية أول اجتماع افتراضي للمؤلفين الرئيسيين بعدما كان مُقررًا عقده في كويتو بالإكوادور في أمريكا الجنوبية.

وقد خاطب الرؤساء والحكوميون شعوبهم عن طريق مختلف وسائل التواصل الاجتماعي بعد منع التجمعات ضمن تدابير احترازية للوقاية من فيروس كورونا والحد من انتشاره، كما توجهت مختلف المنظمات والمؤسسات لفتح دورات إلكترونية وتنظيم فعالياتها افتراضيًّا ما سمح لها بالتواصل مع العالم بشكل أيسر، وعملت الشركات بمختلف مجالاتها على مسايرة التغيرات العالمية التي أحدثها فيروس كورونا من خلال السماح لموظفيها بالعمل عن بعد.

وتعزيز فعاليات أدائها إلكترونيًّا.

أدت جائحة فيروس كورونا إلى تغيير مسار العالم وتعزيز دور الاتصال الإلكتروني الرقمي على المستوى الدولي، الوطني والفردي، وفي ذلك ظهرت الدبلوماسية الرقمية التي ستصبح شرطًا أساسيًّا في التواصل بين الدول بعد الجائحة.

وعليه، على الدول أن تطرح أمام نفسها سؤالًا لتقييم قدراتها الإلكترونية ومدى قدرتها على مسايرة تغيرات العالم الحالية، والذي سيضطرها لتعزيز فعاليتها ضمن العمل الرقمي الذي اقتحم كل الأصعدة وبرز ضرورة لسير الواقع الدولي.

هذا المقال يعبر عن رأي كاتبه ولا يعبر بالضرورة عن ساسة بوست

المصادر

عرض التعليقات
تحميل المزيد