من الصعب أن تجد تعريفا موحّدا لمفهوم الشعبوية (POPULISM)، فأصل التسمية مشتقّة من «الشعب»، بوصفه الفاعل الأول للتاريخ وفي التاريخ، فالديمقراطية مثلا تعرّف، حسب «إبراهام لينكولن»، بأنها «حكم الشعب للشعب»، ولكن الشعبوية تختلف عن الديمقراطية  بكونها تفويض قائد الشعب بأن يحكم بالوكالة عن الشعب ومن أجل الشعب، وهناك خلط سائد وشائع بين «الديماجوجية» و«الشعبوية»، حيث حدّد الباحث الفرنسي «بيير أندريه تاغييف» الفرق بينهما جوهريًا، فإذا كانت «الديماجوجية» تقوم علی تضليل الآخرين، فإن الشعبوية تنطلق من تضليل الشعبوي لنفسه أولّا، وكلّما وجدت النخبة قابلتها الشعبوية منذ ظهور العمل السياسي، ففي ديمقراطية أثينا ظهر الشعبيون أمثال «كليون» في رواية «ثوسيديديس» في كتاب الحرب «البلوبونيزية» الذي اعتبر فيه الأثينيين  «مولعين بالاستماع إلی الخطب»، قائلًا: «أنتم مجرّد ضحايا لمتعة الاستماع التي تستحوذ عليكم، وأشبه بجمهور يجلس أمام قدمي محاضر محترف»، معتبرًا هذه النزعة سببًا في انتكاسة ديمقراطية أثينا، أمّا الإمبرطورية الرومانية فقد شهدت الأخری صعود أباطرة شعبويين لهم قدرات في تحريك الشعب عاطفيًا وإلهاب المشاعر؛ للوصول إلی مآربهم في الاستبداد، ويصنّف «يوليوس قيصر» من أبرزهم، ولاغرابة  أن تكون النزعة الشعبوية حاضرة بقوّة في تاريخ الثورات؛  فالثورة الفرنسية قامت علی مقاربة شعبوية «أناركية، وراديكالية»، بالرغم من تبشيرها بالحريات والقيم الكونية، أسّس لها اليعاقبة بانتهاج سلوك إقصائي وانتقامي خلّف عقودًا من الاضطرابات، وهو ما سمّي «انتزاع الحق الإلهي من الملك وإلباسه للشعب»، فالشعبوية تجنح إلی تقديس الشعب، واعتباره مستودع الحقيقة المطلقة، ومناط الخلاص النهائي من شرور العالم، وهو خطاب اتّسم بالغوغائية والفوضوية في تأسيس لميتافيزيقا سياسية جديدة.

وذهب البعض إلی اعتبار الشعبوية «سيكولوجيا» قبل أن تكون «أيديولوجيا» أو أنّها «أيديولوجيا السيكولوجيا»، فهي تخاطب العواطف قبل الفكر وتؤجج النعرات «الشوفينية»، وتغذّي روحها.

الشعبوية وسياسة الأرض المحروقة

مثلّت بدايات القرن العشرين عصر الشعبوية الذهبي، حيث ازدهرت هذه الثقافة في روسيا، وتبنّتها الثورة «البلشفية» مع لينين، ومن بعده ستالين من خلال سياساته السلطوية، وقابلها صعود النازية والفاشية في جنوب القارة الأوروبية والشيوعية الماوية في الشرق الأدنی؛ الأمر الذي عجّل بإندلاع حروب كونية عصفت بالعالم، وأزهقت أرواح الملايين وغيّرت الخارطة السياسية.

أما في أمريكا اللاتينية، وبحكم طابعها الشعبي الثائر، سادت فيها الأنظمة الشعبوية اليسارية من نظام «خوان بيرون» في الأرجنتين، و«فيدل كاسترو» في كوبا، و«هوغو تشافيز» في فنزويلا.

الشعبوية المشرقية

إن الوعي الذي ساد العالم العربي في حقبة ما بعد الاستقلال وعي شعبوي بامتياز، في مجتمعات مثخنة بجراح الأمية والجهل والفقر المدقع، فكانت للزعماء خطابات تروّج لنظريات المؤامرة بلفت أنظار الشعب إلی الخارج وتكريس فكرة «المؤامرة الكونية» بأقطابها الثلاثة: الصهيونية، والإمبريالية، والرجعية، عبر آلة دعائية وإعلامية تصوّر الهزائم مع العدوّ علی أنها «كبوة حصان»، عابرة من خلال سموم الخطابات البلاغية التي تخاطب االعواطف وتجييش المشاعر، بدلًا من الأفكار، فكل من يصدح بالحق، وينادي بالحرية هو خائن وعميل،  الأمر الذي راكم الفشل، وعطّل عجلة التنمية مقابل تقوية الأجهزة القمعية وتطويع المثقّفين والنخبة من خلال شراء الذمم واستقطابهم كأبواق دعاية للسلطة، فالشعب ليس إلا شعارًا سياسيًا لترويضه وإفراغه من محتواه الخلاّق، وإفقاده كل طموحاته في الديمقراطية والانعتاق وتكبيله بأصفاد الخنوغ، ولعلّ الزعيم «جمال عبد الناصر» أبرز الزعماء الشعبويين العرب، فهو الشخصية «الكاريزماتية» والرجل الأسمر الريفي الطويل صاحب الدعابة والكلام المعسول الذي يناسب مزاج المصريين عامة، كما أنه استفاد من عبقرية «حسنين هيكل» إعلاميًا في جريدة الأهرام، وقد أسمت الكاتبة منی خويص الزعماء الشعبويين بـ«رجال الشرفات»، وهي صورة نمطية تبرز الزعيم في برجه العاجي وحشود الشعب تهتف بحياته، ولئن كان عبد الناصر استثناء  تاريخيًا في الشعبية الجارفة،  فإن التاريخ العربي في حقبة ما بعد الاستقلال يذخر بنماذج متعدّدة من الزعماء الشعبويين، وكلّ بأسلوبه الخاص المميز، من شطحات القذافي غريب الأطوار إلی حداثية الحبيب بورقيبة، وسلطوية حافظ الأسد وكاريزماتية صدام الحسين.

العالم يحبس أنفاسه

سيبقی تاريخ 9 نوفمبر (تشرين الثاني) 2016 عالقًا في الأذهان ومحطّة تاريخية فارقة وكيف لا؟ وهو تاريخ الانتخابات الأمريكية التي فاز فيها المرشح الجمهوري «دونالد ترامب» في الانتخابات الرئاسية الأمريكية، في ما اعتبره عالم اللسانيات الأمريكي «نعوم تشومسكي» «نتاجًا لمجتمع متداع، وماض بقوة نحو الانهيار…»، الأمر الذي حذّر منه المخرج الأمريكي «مايكل مور» قبل سنة من خلال التنويه إلی تركيز «دونالد ترامب» علی استمالة الأصوات المحبطة والمعاندة؛ الأمر الذي تحقق علی أرض الواقع بعد أن صوّتت مثلًا الطبقة العمالية البيضاء من أصحاب الياقات الزرقاء  للمرشح الشعبوي صاحب الشخصية الغريبة والمزاجية، وهي صدمة عالمية ثانية في ظرف سنة واحدة؛ بعد خروج بريطانيا من الاتّحاد الأوروبي في ما يعرف بـ«البريكسيت»، الأمر الذي أكّد بشكل جليّ صعود التيار الشعبوي الشوفيني وتهديده للنظام العالمي، ليتساءل سائل كيف لهذه التيارات التي كانت نتاجًا لبيئات قمعية وأنظمة سياسية سلطوية أن تنشأ في دول سقف الحريات فيها مرتفع والكلمة الفصل لصناديق الإقتراع؟ أجابت الباحثة «كريستا ديويكس» عن هذا التساؤل معتبرة أن الشعبوية هي نتاج لحركة الشدّ والجذب بين وجهي الديمقراطية: أي الوجه البراجماتي الواقعي الصادم، والوجه المثالي الطوباوي المنشود، وعندما تعجز العملية السياسية الديمقراطية عن تحقيق  انتظارات الشعب تظهر الحركات الشعبوية، كما هو الحال اليوم في أوروبا، التي انفصلت عن اتحادها بريطانيا، وعلت فيها الموجة الشعبوية وتصاعدت فيها الخطابات القومية الرافضة لقبول اللاجئين والتعايش مع الأقليات، ففي فرنسا تزايدت شعبية حزب «الجبهة الوطنية»، وترجّح استطلاعات الرأي الفرنسية بلوغ رئيسة الحزب «مارين لوبان» إلی الدور الثاني في الانتخابات الفرنسية في أيّار مايو(أيار) 2017.

أما في ألمانيا ذات الإرث النازي التاريخي حقّق حزب «البديل الألماني» انتصارات انتخابية متتالية ساعده فيها السخط الشعبي علی سياسة المستشارة الألمانية «أنجيلا ميركل» في قبول اللاجئين، كما غرّد زعيم الحزب اليميني المتطرّف الهولندي «غيرت فيلدرز» علی «تويتر» مباشرة بعد الإعلان عن فوز «دونالد ترامب» «اليوم انتصار لنا جميعًا…اليوم استعاد الأمريكيون أرضهم…»، ويعتبر أغلب المراقبين أن السنة القادمة ستكون سنة الشعبويين بامتياز، حيث إنهم يسيطرون علی الأغلبية التمثيلية النيابية البرلمانية في ست دول أوروبية، وهي اليونان وإيطاليا وسلوفاكيا والمجر وسويسرا وبولندا، ففي المجر تسيطر الأحزاب الشعبوية علی الحكومة عبر «حزب فيدس» وعلی المعارضة من خلال «حزب جوبيك».

يمكن التلخيص بأن تضافر مجموعة من العوامل السياسية والاقتصادية والاجتماعية والإثنية ساهمت في صعود الأحزاب الشعبوية في كل العالم، لاسيما في الدول الديمقراطية والمتحكمة في النظام العالمي، ولعلّ فوز ترامب بالرئاسة الأمريكية  تأكيد لتوقعات «نعوم تشومسكي» سنة 2010؛ حيث حذّر من صعود زعيم «كاريزماتي» لرئاسة الولايات المتحدّة الأمريكية، ويكون حسب تعبيره من «المخابيل الجمهوريين» يدفع بأمريكا إلی صناعة أعداء لها في الداخل والخارج، وتدمير ذاتها ذاتيًا وتشكيله خطرًا علی العالم أكثر من الذي مثّلته ألمانيا أيّام الحقبة النازية.

 

هذا المقال يعبر عن رأي كاتبه ولا يعبر بالضرورة عن ساسة بوست

علامات

الشعبوية
عرض التعليقات
تحميل المزيد