«أهل العلم» لعنتُ تلك الحروف والكلمات نفسها، يوم أن تجمعت وكونت اسمًا لبرنامج ديني، سوف تقدمه شخصية موضع للشبهات -إن لم تكن الشبهات نفسها–  فحقًا «إذَا لَمْ تَسْتَحِ فَاصْنَعْ مَا شِئْت» هذا الحديث الشريف، ينطبق على ما تقوم به صاحبة العمل، فكلما أحست باختفائها وانغمارها خرجت علينا بتصريحات لا تقصد بها إلا الشو الإعلامي، وإثارة الرأي العام، حتى يتذكرها المواطنون من حين إلى آخر، ومن بين هذه التصريحات إعلانها العام الماضي بتقديمها برنامجًا دينيًا، حيث كانت المفاجأة صادمة للبعض، بعدم وجود برنامج من الأساس، بالإضافة إلى إعلانها مرات عديدة ترشحها للانتخابات سواء البرلمانية أو الرئاسية.

ومع اقتراب حلول شهر رمضان الكريم، نشرت على حسابها «الإنستجرام» بعض الصور التي توحي بتقديمها برنامجًا دينيًا، يحمل اسم أهل العلم قائلة «قريبًا في رمضان، البرنامج الذي طال انتظاره، أهل العلم، أتمنى أن ينال إعجابكم بإذن الله».

فالماكرة لها من الوسائل ما تستطيع أن تنصب به شراكها، وتنفذ غاياتها سرًا إذا عجزت عن تنفيذها جهرًا، كما تستطيع أن تدنس من الأوساط الشريفة فتفسد أخلاقها، وتضعف من عفافها، فمن الخير أن نشير إلى مثل هذه الأعمال؛ حتى يعرفها العامة ويحصرونها، وتخضع للكشف الطبي على قواها العقلية، وتُبعد إذا ثبت مرضها، وتعالج العدوى وتتلاشى قبل انتشارها.

ومن وجهة نظري المتواضعة، أن هذا البرنامج سوف يخرج علينا بدين جديد، وفتاوى ليس لها أساس من الشرع، أو حتى المنطق الرشيد، بالإضافة إلى ظهور شخصيات هزلية مصطنعة تستهوي عقول الضعفاء، وتأخذ بأيديهم إلى ينابيع الضلال، في غياب أهل العلم بقصد التناسي والنسيان، فهي راقصة فشلت في رقصها، فعمدت إلى عمل كليبات مليئة بالإيحاءات الجنسية؛ بقصد الإثارة والخلع، هذا عملها وتتحمل ما فعلت. ولكن كيف تأتي باللسان الفصيح، والأدب المتين، لاستحضار العظمة، والحديث عن أسرار ربانية، وأحاديث نبوية؟ وهي لم تصاحبها العفة والوقار، ولو برهة من الوقت -حتى في المنام-  أليس كما تعلمنا أن مصداقية المتحدث أساس الإقناع، فمن أين تأتي بها؟ وكيف تتلفظ بلسانها بعد تاريخها المليء بالخلع والمجون؟ أخبروني هل تأتي ذوات الرقص لتفصّل وتوضح الدين؟ أم هي قلة في الكفاءات لتقديم مثل هذه الأعمال؟ أعتقد أن الأخيرة لا وجود لها في كلامنا، فقد امتلأت الساحة بذوي العقول، والعفة، والرشد؛ للقيام بهذه الأعمال.

احتار عقلي، وتناحرت بداخله أسئلة كثيرة، هل من يملك الأموال في هذا الزمان يقوم بمثل هذه الأعمال؟ أسمع صوتك جيدًا وأنت تقول: ربما قد تاب الله عليها فلم لا نغفر لها، ونقدر توبتها؟ فمن الأفضل أن تفعل خيرًا، بدلًا من فعلها لأعمال أخرى منافية منكرة. أقول أنتم في ذلك واهمون، هل تعتقد أنها قد تابت وأنابت ورجعت عما فعلت؟ فلو كانت كذلك لماذا لم تخرج علينا وتقولها؟ -أليس الاعتراف بالذنب من شروط التوبة؟- يا سيدي فِعلها من الخلع وغيره، أهون علينا بكثير من أن تدس سمها في العسل؛ لأن خُلعها معروف وواضح لدى الجميع -على ذوي العقول وغيرهم- ولكن قولها في الدين حتى وإن كان دورها التقديم فقط دون الحديث عن أوامره ونواهيه سيكون ساحة للأفكار الشاردة، والقضايا المثيرة للجدل، فماذا تتوقعون أن يكون حديثها؟ وأي مواضيع ستتناولها؟ أتعتقد أنها ستبني وتُفهّم العقول كما جاء به الشرع الحكيم؟ أم سوف يقوم الأمر على هدم وتضليل متين؟

أعلم أن مثل هذه الكلمات ترفع من شأنها، وتحط من العالي الرفيع، ولكن الأمر يسبب في صدري حرجًا ضيقًا؛ فهذه ليست أول حرب على الإسلام، فوجب التوعية من أجل الابتعاد عن مثل هذه البرامج، التي قد تشوه فكر وثقافة الفرد والمجتمع، فمن الخطأ أن نشارك في ترويجها ظنًّا منا أننا ننتقد ونريد القضاء عليها -كلٌ على حسب نيته- ولكن للموضوع أبعاد أخرى؛ قد ينتج عنها نجاحه وتفوقه، دعائيًّا وإعلاميًا بدون قصد، فما يجب علينا فعله هو التجاهل، وعدم المشاركة في الترويج، حتى لا نعطي له مساحة أكبر من حجمه، مما يثير فضول البعض في متابعته، ويصبح حديث الكثير على مدار الشهر الكريم -وهذا ما يريدونه-  فالهدف من هذا العمل ليس دينًا أخلاقيًّا، ولكن الهدف علمانيًّا تخريبيًّا، يسعى إلى إثارة البلبلة، وتحصيل المال من جراء هذا العمل، فيكون التجاهل محبطًا للمُراد، منقذًا للعقول من تكرار الفعل مرة أخرى.

فعجبًا لقولها تدعو إلى الأخلاق، وهي منها براء، فالدعوة إلى الأخلاق أسلوب عملي، يمس الواقع، ويدعو إلى تنظيمه؛ فالأخلاق تعتمد على الفضائل، وتوقظ المشاعر، فالمسلمون لا ينقصهم برنامجك وأحاديثك لكي يتعلموا دينهم، ويفهموه، وإنما ينقصهم فهم هذه المؤامرة، والسفاهة، والاستخفاف بالعقول، فنحن دائمًا نُقرن مثل هذه البرامج الدينية بأشخاص عرفوا بالعفة والصلاح، ولكن إذا لزم العهر، وكان لا بد منه، فلا يصل إلى حد الاستهزاء بالدين، فإن حاربته جهرًا تسرب سرًا.

فمثل هذا العمل إهانة للدين، وصدق رسولنا الكريم عندما قال: «سَيَأْتِي عَلَى النَّاسِ سَنَوَاتٌ خُدَّاعَاتٌ يُصَدَّقُ فِيهَا الْكَاذِبُ وَيُكَذَّبُ فِيهَا الصَّادِقُ، وَيُؤْتَمَنُ فِيهَا الْخَائِنُ، وَيُخَوَّنُ فِيهَا الأَمِينُ، وَيَنْطِقُ فِيهَا الرُّوَيْبِضَةُ. قِيلَ: يَا رَسُولَ اللَّهِ وَمَا الرُّوَيْبِضَةُ؟ قَالَ: الرَّجُلُ التَّافِهُ يَنْطِقُ فِي أَمْرِ الْعَامَةِ» وقال تعالى: «وَلَئِن سَأَلْتَهُمْ لَيَقُولُنَّ إِنَّمَا كُنَّا نَخُوضُ وَنَلْعَبُ قُلْ أَبِاللَّهِ وَآيَاتِهِ وَرَسُولِهِ كُنتُمْ تَسْتَهْزِئُونَ (65) لَا تَعْتَذِرُوا قَدْ كَفَرْتُم بَعْدَ إِيمَانِكُمْ»، بالإضافة إلى ما فيه من إهدار للكرامة الإنسانية، وتشجيع على زيادة البغي، وموت الضمير، فمن شارك وشجع على مثل هذا العمل قد ماتت ضمائرهم، وماتت أنفسهم، وزالت مهنيتهم، فهي ليست الوحيدة المشاركة في مثل هذا الأمر، فعملها سيتتبع بالضرورة إلى وجود عدد كبير ممن انتفت عنه صفة الرجولة، وتزينت أنفسهم بالخسة والرعونة، فهم طائفة كالنباتات الطفيلية تمص دماء البسطاء، وتعيش عيش الترف والنعيم على حسابهم.

وبعد فإلغاء هذا البرنامج عمل مشكور، يرفع عنا وصمة إقرار الرذيلة إقرارًا رسميًّا، ويشمل حسن التقدير للكرامة الإنسانية، والفكر، وثقافة الآخرين؛ فهو ثمرة شجرة خبيثة ما لم تقطع جذورها تجددت ثمارها.

 

هذا المقال يعبر عن رأي كاتبه ولا يعبر بالضرورة عن ساسة بوست

عرض التعليقات
تحميل المزيد