مضت عجاف الثورة الثمانية بحلوها ومرها، مضت سنين الثورة التي حملت في طياتها الفرح بالتحرير أحيانًا، والحزن على الخسارة أحيانًا أخرى، مضت بالدموع على شهدائها، والدعاء لمعتقليها ومفقوديها.

لكن عام 2018 الذي يستعد للرحيل كان من أسوأ الأعوام والأيام التي مرت على الثورة السورية منذ انطلاقتها في عام 2011، ولم يحمل في أيامه القاسية خبرًا مفرحًا لا عسكريًا ولا سياسيًا، فمن سيطرة لقوات النظام على معظم المناطق إلى تهجير الأحرار من بلدهم إلى استمرار تشرذم المؤسسات الثورية السياسية والعسكرية.

2018 عام سيطرة قوات النظام على معظم مناطق الثوار:

في عام 2018 سيطرت قوات النظام علة مناطق كانت تحلم بمجرد الدخول إليها، حشدت كل قواتها واستعانت بروسيا وإيران وحزب الله لكنها لم تستطع، حتى جاء 2018 حاملًا معه مصطلحات أستانة وخفض التصعيد ومصطلح المصالحات والضفادع ليساهم ذلك كله بسيطرة قوات النظام على تلك المناطق بأقل جهد.

مطار أبو الظهور العسكري

في يناير (كانون الثاني) من عام 2018 بدأت قوات النظام والميليشيات المساندة لها عملية السيطرة على مطار أبو الظهور العسكري شرق إدلب والذي خرج عن سيطرته منذ عام 2015، هذه المنطقة المشمولة باتفاق خفض التصعيد الموقع في أستانة برعاية تركية روسية إيرانية.

لكن قوات النظام وفي 22 من يناير سيطرت عليه وعلى عشرات القرى الواقعة شرق إدلب وحماة وسط مقاومة ضعيفة جدًا من بعض الفصائل بينما كان بعضها يتقاتل فيما بينه لمصالح شخصية.

الغوطة الشرقية والقلمون.. مارس (آذار) 2018

بعد حصار طويل امتد لستة أعوام شنت قوات النظام السوري مدعومة بالطيران الروسي حملىة عسكرية تعد الأكبر منذ انطلاق الثورة السورية، استخدمت فيها كافة أنواع الأسلحة في كافة مناطق الغوطة حتى المحرمة دوليًا واستخدمت الغازات السامة في مدينة دوما ما أدى لقتل أكثر من 1630 مدنيًا، بينهم 330 طفلًا على الأقل. وانتهت الحملة باتفاق تهجير لمقاتلي المعارضة وعوائلهم والمدنيين الرافضين للمصالحة إلى مناطق جرابلس وإدلب بالشمال السوري، حيث خرج من الغوطة ما يقرب من 50 ألفًا من مدنيين وعسكريين، وتم تسليم السلاح الثقيل والمتوسط من قبل كبرى فصائل الغوطة كجيش الإسلام وفيلق الرحمن اللذين عجزا عن حماية الغوطة في وقت كانت لا تنته فيه مناحراتهما  بغية سيطرة أحدهما على مفاصل الحياة في الغوطة، لينتهي بهم المطاف إلى مناطق عفرين، وليخسر أهالي الغوطة بيوتهم وينتهي بهم المطاف إلى مخيمات الشمال السوري التي تغرق بفيضانات الأمطار هذه الأيام.

يلدا وببيلا وبيت سحم.. مايو (أيار) 2018

تم خروج ما يقرب من 17 ألفًا بين مدني وعسكري من البلدات الثلاث جنوب دمشق، وكانت الوجهة إلى مدينتي إدلب وجرابس شمال سوريا بموجب اتفاق مع الجانب الروسي وقوات النظام.

ريف حمص الشمالي وحماة الجنوبي.. يوليو (تموز) 2018

بعد اتفاق الغوطة الشرقية وبعد حصار طويل شنت قوات النظام بدعم روسي أيضًا هجومًا على قوات المعارضة في ريفي حمص الشمالي وحماة الجنوبي انتهى باتفاقية تهجير جديدة خرج بموجبها ما يقرب من 18 ألف مهجر من الريفين من عسكريين ومدنيين مع تسليم السلاح الثقيل والمتوسط من قبل الفصائل الثورية لقوات النظام

درعا والقنيطرة.. يوليو 2018

سيطرت قوات النظام على محافظتي درعا والقنيطرة ضمن اتفاقية مصالحة وتهجير ودخل عدد كبير من المدن والبلدات ضمن ما يسمى باتفاقيات المصالحة وتم تسليم أعداد كبيرة من الأسلحة والذخائر لقوات النظام كان من المفترض أن تكون هذه الأسلحة لقتال نظام الأسد لكن بفضل المصالحات أضحت سلاحًا جديدًا له لقتل ما تبقى من المناطق الخارجة عن سيطرته.

كل المناطق السابقة انتهى بها مطاف الثورة السورية في الشمال السوري المحرر الذي يضم أرياف حماة والساحل وحلب وإدلب حتى بات الشمال السوري مجمع المهجرين والنازحين من كافة مناطق سوريا.

2018 عام ظهور الضفادع

جميعنا يعرف أن الضفدع هو حيوان برمائي موطنه في المستنقعات  ويتغذى على الحشرات وهذا التعريف العلمي لهذا الحيوان، لكن الضفدع في الثورة السورية له تعريف آخر ظهر في عام 2018 ويرتبط بحيوانات من نوع آخر هذه المرة.

الضفدع هو كناية عن كل شخص يقوم بتسليم سلاحه وعتاده لقوات النظام ويساهم في سيطرة الأخير على المناطق المحررة بأقل جهد، بعد أن عجز عن السيطرة عليها لسنوات وسنوات ضمن ما بات يعرف بالمصالحات.

بات اسم ( ضفدع) من أكثر الأسماء المتداولة في صفوف السوريين عامة والأحرار منهم خاصة، وغدا (سمايل) الضفدع من أكثر السمايلات المستخدمة في برامج الواتس آب والتلجرام والفيسبوك.

عراب هذا المصطلح كان «الشيخ» بسام ضفدع من مدينة كفربطنا بالغوطة الشرقية وأحد قياديي وشرعيي فيلق الرحمن عرابًا لهذا المصطلح كونه أول من قام بتسليم مناطقه (كفربطنا) لقوات النظام وروسيا في الغوطة الشرقية قبل أشهر قليلة ما مكن قوات النظام من السيطرة على باقي مناطق الغوطة، وإجبار الفصائل العسكرية هناك على التوقيع على مبادرة تسليم السلاح والتهجير القسري إلى الشمال السوري.

لم يكتف بسام ضفدع بذلك، بل تكاثرت الضفادع في كتيبته وشاركت في اقتحام منطقة عين ترما جنبا لجنب مع قوات النظام.

ثاني الضفادع على الساحة الثورية كان قائد فصيل جيش التوحيد المدعو منهل صلوح الذي كان من أوائل الشخصيات التي أبرمت اتفاقًا مشابهًا للاتفاق المبرم مع الشيخ بسام ضفدع، حيث قام صلوح بتسليم عتاده الثقيل والمتوسط لقوات النظام وأعلن تبعيته هو وجيشه للشرطة الروسية والفيلق الخامس بعد أن رفض عدد كبير من مقاتلي ريف حمص الشمالي هذا الاتفاق، فانتهى بهم المطاف بحافلات التهجير هم وعوائلهم وبعض المدنيين إلى الشمال السوري.

ثالث الضفادع على الساحة كان هذه المرة من درعا القيادي في فصيل شباب السنة أحمد العودة الذي وقع منفردًا اتفاقًا يشابه الاتفاقيات السابقة في مدينة بصرى الشام وتسليم سلاحه للروس وانضمامه للفيلق الخامس المدعوم روسيًّا، ما مكن قوات النظام من التقدم أكثر في ريف درعا والسيطرة على معبر نصيب مع الحدود الأردنية

لم يكن أحمد العودة الضفدع الوحيد في درعا، بل ظهر معه اسم خالد المحاميد نائب رئيس هيئة التفاوض المدعومة من الرياض، وكان المحاميد عراب الصفقة وتربط علاقة قرابة مع العودة، حيث هدد المحاميد الجميع من مغبة الاعتداء على صهره العودة،

ولا يعني ذكر الأسماء السابقة أنهم الضفادع الوحيدين الذين عرفتهم الثورة، بل غيرهم الكثير.

2018 عام الاتفاقيات والتفاوض السياسي دوليًّا

في عام 2018 كانت الاتفاقيات الدولية بخصوص الثورة السورية هي السمة الأبرز من استكمال لأستانة الفاشل بكل المقاييس إلى اتفاق سوتشي المبرم بين روسيا وتركيا حول إدلب في سبتمبر (أيلول) 2018 والقاضي بإنشاء منطقة عازلة بين قوات النظام والفصائل بعمقر 15-20 كم واعتبارها منزوعة السلاح وتوقف القصف المتبادل بين الطرفين، لكن قوات النظام استمرت بقصفها منذ توقيع الاتفاقية على مرأى ومسمع نقاط المراقبة التركية بل العالم أجمع.

في ذات العام قبلت هيئة التفاوض التابعة للمعارضة  زيارة روسيا حليفة النظام وتم الاتفاق على تشكيل اللجنة الدستورية مع النظام التي ما زالت محط خلافات كبيرة بين كل الأطراف المعنية بالقضية السورية.

إعادة إنتاج نظام الأسد

في نهاية عام 2018 بدأت بعض الدول وبدفع من دول كبرى لا سيما روسيا لإعادة علاقاتها مع نظام الأسد الميت سريريًا بغية إعادة إنعاشه وإنتاجه وتصديره من جديد، أولى الزيارات كانت زيارة رئيس وزراء أبخازيا والذي لسوء حظه تعرض لحادث سير عقب عودته من دمشق الأمر الذي أدى لوفاته.

أولى التحركات العربية وأول زيارة لرئيس عربي لدمشق بعد أعوام ثمانية كانت زيارة رئيس السودان عمر البشير الذي حضر فجأة وعلى متن طائرة روسية، ليعود هو الآخر لبلاده كي يواجه ثورة شعبية في بلاده ضد الفقر والتجويع.

وكما كان متوقعًا أن زيارة البشير ستعقبها العديد من الأمور، سارعت الإمارات لإعادة فتح سفارتها في دمشق، تلتها البحرين ومن المتوقع المزيد أيضًا لا سيما الأردن التي صرح ملكها عبد الله الثاني أن الأمور ستعود مع سوريا كما كانت عليه قبل الثورة السورية.

في تونس التي ستحتضن القمة العربية حطت منذ أيام أول طائرة سورية في مطار المنستير  الدولي منذ 8 أعوام ، هذا الأمر وإن كان بعيدًا عن التطبيع مع نظام الأسد إلا أنه يعد غزلًا من قبل تونس لنظام الأسد وخطوة لإعلان إعادة العلاقات، وكما يتوقع مراقبون ومحللون أن الأسد سيكون حاضرًا في القمة العربية وهذا ماصرح به دبلوماسيون خليجيون.

2018  لم يكن عام الثورة بجميع المقاييس عسكريًا ولا سياسيًا ولا اجتماعيًا، فقدت فيه الثورة الكثير ، فقدت الأراضي و القرار، فقرارها اليوم بات بيد حلفائها كما أن قرار النظام أصبح منذ زمن بيد حلفائه الروس، وهذا ينذر أن عام 2019 القادم سيكون امتدادًا واستمرارًا للتفاهمات السياسية الدولية كما يحدث اليوم على مناطق شرق الفرات بعد إعلان ترامب سحب قوات بلاده منها ليشعل الصراع بين الدول الحليفة لسد الفراغ.

بين كل ماحدث في 2018 وانتظار ماسيحدث في 2019 يبقى الملايين من السوريين المهجرين والنازجين بانتظار بصيص أمل بنهاية هذا النفق الطويل و المظلم، أمل من رب العباد بأن يفرج عنهم كل ما مروا به خلال العجاف التي مضت.

هذا المقال يعبر عن رأي كاتبه ولا يعبر بالضرورة عن ساسة بوست

علامات

سوريا

المصادر

عرض التعليقات
تحميل المزيد