بعد دخول التنظيم الوحشي إلى المدينة وتدميرها واستشهاد عدد كبير من مواطنيها، تبنت الموصل في كنفها قصص حزينة ومؤلمة بين أزقتها ومناطقها القديمة المليئة بقلوب مكسورة ودموع منهمرة، منها قصة الفتاة الموصلية تبارك عارف البواب التي شهدت صدمة كبيرة في حياتها بعد مقتل أخيها عبد الله عارف البواب طالب الإعدادي الذي يبلغ من العمر 20 سنة بحكم الإعدام بسبب تلفيق تهمة بحقه بأنه كان يساعد ويسرب الأخبار للقوات الأمنية المحلية من قبل تنظيم (داعش) وصدمتها جراء هذا الحادث.

بعد دخول داعش عانت النساء الموصليات مشاكل مع تنظيم داعش حجمت دورهن وأصبحن رهينات في المنازل جراء التعليمات التي فرضها التنظيم بحقهن؛ إذ روت تبارك لنا قصتها مع النقاب الذي أجبرت على لبسه: في يوم من الأيام كنت ذاهبة إلى السوق، وكنت أرتدي الزي الشرعي الإسلامي المتمثل بالنقاب والجبة كما يقال عنه، وتحت الجبة كنت أرتدي السروال؛ فرأى أحد جنود داعش (الحسبة) وأوقفني يسأل لماذا أرتدي السروال تحت الجبة، ويحاسبني، وأخبرني أن أستدعي ولي أمري لفرض الغرامه عليه فأجبته انا ليس لي أحد، وليس ولي أمر؛ فأنتم قتلتموه، ولم يبق أحد، وأن ثيابي غير مخالفة للشرع، فأجابني: نحن جئنا لنستر عوراتكن ونحافظ عليكن، فأجبته: نحن مستورون، وعلى علم بتعاليم الدين والشرع والحلال والحرام، ومحافظون على أنفسنا، من أنت حتى تأتي لتعلمنا الدين وتستر علينا.

طلب أن لا أجادله أكثر وأن أصحبه إلى ولي أمري، وإلا فإنه سوف يصطحبني إلى السجن معه!

فأخذته إلى ولي أمري، وقام بسحب هويته، وأعطاه وصلًا لدفع الغرامة، وقال له: علم ابنتك أن لا تجادل من يستر عليها وينصحها، فقطعت العهد والنذر على نفسي عندما أتحرر من داعش أن سوف أجعل من النقاب (وصلة مسح) سوف أمسح به (بسطال) حذاء الجندي.

وبالفعل لقد قمت بتنفيذ هذا النذر عندما تحررنا، وإذ بي أن أرى جنديًا من مكافحة الإرهاب من مدينة الناصرية، فقلت له: انتظر لحظة من فضلك لدي نذر أريد أن أوفيه، فأجاب: (رقبتي سدادة.. ماذا تريدين؟ أنا حاضر)، فأجبته: أريد أن امسح (بسطالك) بالنقاب، فأجاب قفي مكانك، ولا تنحني فأنت بنت الموصل الشريفة، وليبق رأسك مرفوعًا، أعطني هذا الخمار، فانا سأمسح بسطالي به، وسوف أخذه إلى أهلي في الناصرية، وأخبرهم عن بنت الموصل، وسأروي قصة نذرك مع الخمار.

إن هذه المعاناة التي عانتها تبارك توضح لنا التلفيق والتجريح والطعن لديننا الإسلامي من قبل هذا التنظيم الوحشي الذي جعل من النقاب قطعة من القماش مكروهة وغير محببة ومشبوهة بسبب التشويه الذي خلقه هذا التنظيم بحق سُننا النبوية، النقاب سنة نبوية تلتزم به العديد من الفتيات في عالمنا الإسلامي حُبًا بهذه السنة لكسب الأجر الكثير والثواب والتقرب من الله سبحانه وتعالى.

يمكننا القول إن هذا التنظيم الفاحش قد خلق أزمة وفجوات لعالمنا الإسلامي، وقلل من شأن ديننا الحبيب الذي خلفت مظاهر سلبية منها عدم الإحساس بالأمن لدى الناس، وانعدام الثقة، والخوف والسلبية، وضيق الأفق، واليأس من كل تغيير نحو الأفضل.

لذا فعلى العلماء والمؤرخين من المسلمين أن يعلموا حجم المسؤولية المكبلة على عاتقهم، وأن يقدموا الشريعة من خلال قيمها المتكاملة، ودون المساس بالأصول والثوابت فيها، إلى مئات الملايين من المسلمين الذين يحبون شريعة الله، وعليهم أن يقدموا الإسلام بالصورة الصحيحة التي تقنع الأمة بأن قاعدتها ووسيلتها للحركة باتجاه البناء والحضارة، وأن يحرصوا على نقل الإسلام إلى واقع الناس اليوم، حتى تستطيع أن تلتمس الطريق الصحيح؛ لأن الطرح التاريخي لحل المشكلات المعاصرة لم يعد مقبولًا أو مُجديًا.

هذا المقال يعبر عن رأي كاتبه ولا يعبر بالضرورة عن ساسة بوست

عرض التعليقات
تحميل المزيد