كثيرًا ما تصادف إعلانًا وهميًا على القنوات التجارية،مثل وداعًا للسرطان مع العلاج السحري، الذي اخترعه الدكتور فلان في معمله الخاص، أو وداعًا للسمنة مع النبتة النادرة الموجودة فوق قمة الجبل في الصين، أو مثل الأمراض المتعلقة بالسكر والكثير من هذا القبيل علاج للأمراض المستعصية.

على الرغم من التقدم الطبي الملحوظ في كل المجالات، ومنها المجال الطبي إلا أن هناك بعض الأمراض المستعصية التي ليس لها علاج، وكل ما يعلن على شاشات التلفاز فهو من باب الخرافة ونشر الوهم لكسب المزيد من النقود من جيوب المرضى وأهلهم البائسين الذين يطمعون في علاج.

والخرافة هي اسم ولها عدة معان، من بينها الحديث المستملح المكذوب نسبة إلى خراف وهو شخص من بني عذرة أو جهينة، فقد كان يغيب عن قومه لفترات ثم يعود إليهم، ويزعم أنه تعرف على الجن وأنه كان يعيش معهم ويحكي لقومه مغامراته معهم.

ما بين الاكتشافات الطبية وبين الأمراض التي ليس لها علاج فجوة، وعلى الرغم من التقدم الطبي الهائل إلا أنه حاله مثل وجود علاج نهائي للسكر مثلًا تكون مستحيلة، لكن لا مستحيل مع الخرافات والطب الروحاني والطب البديل فهناك حلول دومًا طالما أنت على استعداد لدفع المزيد من النقود، إذا توجهنا جنوبًا إلى صعيد مصر تحديدًا في محافظة سوهاج في مدينة تسمى البلينا في منطقة بني حميل يوجد منطقة تسمى (الكحريتة) وهي مكان فسيح بجانب أحد المقامات التي يتوفى أصحابها ويعتقد أنهم من الصالحين، ويقوم صاحب المشكلة من لديه آلام الظهر أو أيًا كان من الأمراض المزمنة يأتي ويتمرغ في التراب جيئة وذهابًا ويعتقد أنه بسبب قدرات أو كرامات الولي سيزول عنك التعب على الرغم من أن هذا الشخص متوف لا يستطيع أن يفيد نفسه بشيء فما بالك بشفاء الآخرين، العجيب أن هذا المكان لا حارس له ولا يوجد أحد يأخذ من الزوار نقودًا.

واذا انتقلنا شرقًا إلى آسيا وتحديدًا في الفلبين الموطن الخصب للخرافات والمعقل الرئيس لها، ومن ضمنها العلاج الروحي ويتوافد لها الناس من أنحاء العالم، كما أن الفلبين تستخدم العلاج الروحي في الدعاية والترويج للبلاد، أراد طبيب يدعى ويليام نولين وهو جراح مشهور توفي قبل فترة وله كتب هي الأكثر مبيعًا من ضمنها A doctor searching for miracle عرض فيه قصته لاكتشاف هذه الخدع الروحية .

ومن ضمن هذه الخدع لسيدة تدعى كاترين كولمان غير الأخرى رائدة الفضاء، فهذه السيدة تقيم كل أحد جلستها الروحية وتدس مساعديها وسط الجمهور ليجمعوا المعلومات عنهم وتبدأ في تلاوة الصلوات بجانب المؤثرات الأخرى التي تضفي على المكان نوعًا من السكينة، وتقول مثلا إن الروح الإلهية قد بدأت في شفائكم، فها هي سيدة وسط القاعة مصابة بالسرطان قد بدأت في الشفاء، فهي قد بدأت مسبقًا بجمع المعلومات عنهم والكثير من مثل هذا القبيل.

ويتابع دكتور نولين رحلته مع الخرافات وخرافة الجراحة الروحية وفيها يقوم المعالج بعمليته بدون أن يشق الجزء المصاب بالمشرط الجراحي، ويقوم المعالج أولًا بتلاوة صلاته الروحية، وهو بذلك يعطي للمريض نوعًا من الاطمئنان ويمرر على الجزء المصاب قطعة من القطن بداخلها دبوس مخفي، ويمر بإبهام يده على الجزء المصاب بقوة وسرعة ويضع عليه كأسًا به قطنة مبللة بالكحول ويقوم بإشعالها عن طريق كاسات الهواء المعروفة عندنا وينبثق الدم من الجرح الذي خدشه، وبذلك يعتقد المريض أن الدم نزل بفعل الطاقة الروحية وليس بسبب الخدش الذي أحدثه الدبوس أو القطعة المعدنية.

والأحداث الموثقة كثيرة وتبين زيف هذا الهراء، وعلى الصعيد الآخر في مجال التنمية البشرية -واسع الانتشار- وعلى الرغم أن هذا المصطلح يشمل مفردات أخرى أكثر من مجرد تدريبات، لكنه يحتوي أيضًا على بعض الخرافات: مثلًا (قانون الجذب) والذي صدر عنه كتاب بنفس العنوان لمؤلفته روندا بايرن سنة 2006 وذاع صيته مفاده أنه متى ما فكرت في شيء فإن الكون كله سيسخر قوته لكي يجذب لك ما تريد، ويعد من أكثر الكتب مبيعًا، ولا صحة لما نشر في هذا الكتاب من الأساس وأن هذا الكتاب كتب بغرض الاستفادة المالية فقط لا أكثر ولا أقل، لكنه لاقى صدى وقبولًا، وأيضَا التخاطر التلباثي وهي أن أقوم بإرسال رسالة لك من عقلي لعقلك دون استخدام وسائل الاتصال المعروفة وبدون أن أفتح فمي، والعلم يخبرنا أنه لم يتم رصد أي إشارات تخرج من المخ في هذه العملية وأجريت عدة اختبارات لمعرفة مدى صحة هذه العملية وجدت نتائجها مخيبة للآمال، ووجدوا أنها لا ترقى لتكون كلامًا علميًا، وذكر هذه التجربة دكتور عبدالمحسن صالح في كتابه الإنسان الحائر بين العلم والخرافة .

أيضًا موضوع الهالة التي يروج لها مدربو الطاقة، وأنهم بسبب خبرتهم فقط في هذا المجال يستطيعون أن يروا هالتك ويقرأوها،كتلك الهالة التي تراها حول صور الأولياء والقديسين وربما تكون الهالة حقيقية ورآها الرسام، لكنها تحدث تحت ظروف فيزيائية معينة كحدوث تفريغ مفاجئ بين الشحنات المختلفة الكامنة في أجزاء من السحب، فهي تتخذ شكل كهرباء استاتيكيه أو ساكنة وهي ليست ضارة وتستطيع أن تكتشفها في قميص مصنوع من الألياف الصناعية كالنايلون والرايون، وأيضًا من زمن التقطت صورة لرجل يدعى دكتور سيكل وحوله هالة قد تكونت بفعل وقوفه في مجال كهرومغناطيسي بلغ مليون سيكل أو فرق جهد نصف مليون فولت.

وعلى هذا وعلى الرغم من أن العلم يتقدم يوميًا إلا أنه لا يزال يوجد أمراض لا علاج لها أو أحداث لم نتوصل لتفسيرها بعد، وبسبب الفجوة الموجودة بين العلم والاحتياج يلجأ الناس إلى الخرافة، إما لأنه شق عليهم التعب أو لأنهم يبدون رأيًا في مجال غير تخصصهم أو بدون علم.

وكلما قرأنا أكثر وتحرينا الدقة في كل ما يقال لنا وبحثنا في الأدلة -وما أكثرها على الإنترنت- سنسد باب الخرافة الواسع قدر الإمكان، وسنستطيع أن نحفظ أموالنا وصحتنا من النصابين والمشعوذين.

هذا المقال يعبر عن رأي كاتبه ولا يعبر بالضرورة عن ساسة بوست

المصادر

كتاب الانسان الحائر والخرافه ,د عبدالمحسن صالح
A doctor searching for miracle , Wiliam nolin
عرض التعليقات
تحميل المزيد