كان البعض ينتظر الدقائق واللحظات الأخيرة من عام 2019 لتنتهي بذلك حقبة غير مُرضيّة بالنسبة له، ويستقبل -حسب ظنه- عامًا جديدًا أتى إليه بكل ما يتمناه ويطلبه وينتظر تحققه على أرض الواقع، ولكنه مع مرور قليل من الوقت إذا به يقف متأسفًا على صخرة الأحداث المتتالية التي ما استطاع أن يتعايش معها أو أن يتحمل قسوتها، فاصطدم بها وتحطمت آماله فوق حجارتها وخرَّ مغشيًا عليه فأطال الإغماء ظنًا منه أن الصخرة قد ترتحل بعيدًا عنه أو أن أحدهم سوف يأخذه -بعد أن يفيق من صدمته- إلى طريق لا شوك به أو أغصان تعترض طريقه أو تنغص عليه حياته؛ ولذلك أردت أن نقف اليوم قليلًا -بعد مرور قرابة نصف العام- قبل استكمال المسير؛ لنعرف معًا أين المشكلة وما الحل وهل العيب في الزمن أم فينا ولماذا أصبح البعض ينظر لعام 2020 وكأنه جاء ليُجهز عليه فيتركه بلا نفس يتنفسه أو أمل يعيش به؟!

ما الخطب؟

2020 رقم تفاءل به الكثيرون وأرادوا تحقيق كل ما تمنوه في حياتهم في إطار هذه المرحلة الزمنية ذات الأرقام الجميلة، المتشابهة في هيئتها، المتتابعة في كتابتها، المتزينة بالبهاء والجمال في حسن منظرها وبساطتها ويسر خطها ونظمها، ولكن ما لبث كل متفائل أن يقلع عن هذا التفاؤل ويضعه جانبًا بعد مرور أسابيع قليلة، حيث وجد نفسه في عالم آخر غير الذي حلم به وأراده، وما يدري المسكين أن الأرقام لا تصنع سعادة أو حزنًا، وأن الزمان لا يجلب تفاؤلًا متوهمًا أو تشاؤمًا متخيلًا.

ما الدافع؟

حزن البعض جراء تتابع الأحداث في مقدمة هذا العام مثل إرهصات نشوب حرب عالمية ثالثة جراء مناوشات وقعت بين أمريكا وإيران، ووقوع زلازل في أكثر من دولة، وانتشار فيروس كورونا الذي انطلق من الصين إلى ربوع العالم، وغيرها من الأحداث التي تقع بين الحين والآخر؛ فدفع ذلك الغاضبين والمتأملين حالًا أفضل من ذلك إلى إظهار السخط والغضب سريعًا، وربما أدى ذلك بالبعض إلى تخليه عن أحلامه وأهدافه -التي جلس يعددها ويفندها قبيل حلول هذا العام بأيام وساعات- فأصبح كالظمآن الذي رأى سرابًا فهرع مسرعًا وراءه؛ أملًا في الظفر به، ولكنه عندما جاءه لم يجده شيئًا، فاستمر ظمؤه ورغم ذلك لم يبحث عن ماء ليرتوي به بل تمادى في سرابه وفقد بوصلته الحقيقية المؤدية لطريق الجادة الذي به الماء حيث طلبه ومبتغاه.

اعتراف لا بد منه!

أعترف بداية أن هذا العام أشد على البشرية من غيره في الحقبة الزمنية القريبة التي تنتسب إلى القرن الواحد والعشرين، وأنه إلى وقتنا هذا يُعد من الأعوام القليلة التي شهدت البشرية شدتها وقسوتها، ولكن ذلك ليس مبررًا بأن نتخلى عن سعينا وبذلنا لأجل ديننا ودنيانا، فالمسلم كالزهرة أينما حلَّ نبت وأزهر عطرًا طيبًا، وعملًا مؤثرًا متعديًّا نفعه باقيًّا أجره، ولا يعرف لليأس طريقًا ولا للتشاؤم بريدًا، فإن منعته الظروف من الخروج من بيته إلى بيئة عمله، فهو ينبت من بيته في عصر أتاحت له فيه التكنولوجيا كل صغير وكبير ومنحته آليات التواصل مع البعيد قبل القريب، وإن واجهته مشكلة أو صدمته عقبات وعوائق تغلب عليها بإيمانه وعزيمته وإرادته القوية.

هل تعلم؟

ربما يرى البعض أن عام 2020 سوف تسجله الوكالات والإحصائيات كأسوأ عام شهدته البشرية ولكن التاريخ سوف يصدمك ويخبرك بغير ذلك، فبعد العودة إلى الأرشيف تجد أن العام 536 ميلاديًا، كان من أصعب الأعوام التي مرت على كوكب الأرض بالفعل، حتى أطلق عليه المؤرخون «عام السماء السوداء»، وسوف أخبرك ببعض أحداثه لتدرك الفارق بين النموذجين.

«كانت الشمس تشرق دون سطوع مثل القمر، خلال هذا العام بأكمله، وكأنها في كسوف دائم، لم تصل أشعتها للأرض وتركتها للأوبئة والموت» هكذا وصف المؤرخ البيزنطي بروكوبيوس عام 536.

الآن نسمع يوميًا عن إصابة رؤساء وزراء، ومشاهير بفيروس كورونا، وهذا هو ما يميز الوباء عامة، أنه لا يستثني أحدا في موجته الجائحة، وهو ما حدث بالعام 536 ميلاديًا في بلاد الإمبراطورية البيزنطية حيث اجتاح الطاعون تلك المنطقة، وبدأ في حصد الأرواح، وذكر المؤرخون أن اليوم الأول فقط راح ضحيته 5 آلاف شخص، واليوم التالي مات ضعف هذا العدد، واليوم الرابع وصل رقم الضحايا إلى 18 ألف ضحية، حتى وصل عدد الضحايا إلى 300 ألف وتوقفوا عن العد.

كما وقعت مجاعة كبرى بسبب سقوط مادة تشبه الرماد الأصفر من السماء على الصين والتي أدت بدورها إلى مجاعة على نطاق واسع في الصين، واستمرت لعامين تقريبًا، توفى فيها ما يقرب من 70 بالمئة من سكان الصين، إلى جانب هلاك العديد من الحيوانات والطيور، وطالت تلك المجاعة أيرلندا أيضًا في نفس الوقت، في واقعة تاريخية تُعرف باسم «اختفاء الخبز» في نفس العام.

وفي رسالة له لأحد أصدقائه تحدث المؤرخ الروماني كاسيودوروس عن الخوف الذي نما في نفوس الناس تجاه الظلام قائلًا: «هذا العام غريب، هناك شتاء قارس لم نعتد عليه، وربيع ليس به اعتدال مناخي، وصيف دون حرارة الشمس التي اعتدناها، صقيع طويل وجفاف غير محتمل، حرمنا من المطر، وخصوبة الأرض، واختفت الثمار، الضباب يتكاثف في السماء، ويمنع عنا الضوء»([1]).

الزم غرسك!

كيف لا نكون -نحن المسلمين- حمَّال الخير للبشرية جمعاء؟! وقد علَّمنا سيد البشرية أن نكون غراسين للخير في آخر لحظات حياتنا حتى وإن كان المستفيد غيرنا لا نحن، فعَنْ أَنَسِ بْنِ مَالِكٍ قَالَ: قَالَ رَسُولُ اللهِ صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ: «إِنْ قَامَتِ السَّاعَةُ وَفِي يَدِ أَحَدِكُمْ فَسِيلَةٌ، فَإِنِ اسْتَطَاعَ أَنْ لَا تَقُومَ حَتَّى يَغْرِسَهَا فَلْيَغْرِسْهَا» ([2]).

وها هو فاروق الأمة عمر بن الخطاب بعد أن تعلم الدرس من المعلم الأعظم يُعلمه لغيره، فعن عمارة بن خزيمة بن ثابت قال: سمعت عمر بن الخطاب يقول لأبي: ما يمنعك أن تغرس أرضك؟ فقال له أبي: أنا شيخ كبير أموت غدًا، فقال له عمر: أعزم عليك لتغرسها، فلقد رأيت عمر بن الخطاب يغرسها بيده مع أبي.

لا تسبوه!

انتشر في الآونة الأخيرة سلوك غير مرغوب وفعل غير محمود، فقد تعالت أصوات قد امتلأت غيظًا بالسب والشتم لعام 2020، بل وتصاعد الأمر بأن احتل هاشتاج حول هذا الأمر الصدارة في بعض البلدان الإسلامية للأسف، وقد غابت عنَّا حقيقة هامة علمنا إيَّاها النبي الأسوة والقدوة، فقد أخرج الإمام مسلم في صحيحه عن أبي هريرة أن النبي صلى الله عليه وسلم قال: «لا تسبوا الدهر فإن الله هو الدهر»، ورواه البخاري بلفظ آخر كما جاء في الحديث القدسي عن رب العزة: « يُؤذيني ابن آدم؛ يسبُّ الدهر، وأنا الدهر، أُقلِّب الليل والنَّهار» فمعنى أنه الدهر أي يُقلِّب ليله ونهاره، ويُصرِّف شؤون هذا الدهر بين العباد، فلا يُسَبُّ الدهر؛ لأنَّ سبَّ الدهر معناه سبّ للذي يُصرِّف شؤونه.

منظارك به خلل!

ربما يكون السر في نظرتك وقناعتك، فإن كنت تنظر للحياة وما يدور بها بعدسة سوداء من الداخل والخارج، فإنه من المنطقي أن ترى كل شيء من حولك حالكًا لا بصيص أمل يكتنفه أو شعاع نور يشع منه، فيعتصرك الألم اعتصارًا وتضيق عليك نفسك التي بين جنبيك وأنفاسك التي تخرج وتدخل، ويصور الأديب الراحل مصطفى صادق الرافعي هذه الحالة بكلمات عذبة يسيرة في كتابه وحي القلم فيقول: «أشد سجون الحياة فكرة خائبة يُسْجَنُ الحيُّ فيها، لا هو مستطيع أن يدعها، ولا هو قادر أن يحققها؛ فهذا يمتد شقاؤه ما يمتد ولا يزال كأنه على أوله لا يتقدم إلى نهاية؛ ويتألم ما يتألم ولا تزال تشعره الحياة أن كل ما فات من العذاب إنما هو بَدْء العذاب»([3]).

منحة وفرج

في الختام أود أن أشير إلى أهمية النظر للمنحة التي وُلدت من رحم المحن المتتالية في عام 2020، فكم من صديق أو أخ ظهر لك معدنه وهو يسعى لتفقد حالك وقضاء حاجتك المتعسرة بسبب الأحداث التي وقعت؟! ولك أن تتمعن أيضًا في صوت الأذان الذي امتلأت به شوارع أوروبا بسبب جائحة كورونا، فبعد أن عجز الغرب أمام حضارته المادية المزعومة لم يجد مفرًا من السماح بارتفاع ذلك الصوت النديّ الذي يحمل في طياته الشهادتين لدين عظيم أنت أحد أبنائه، وهو أمر يستدعي إقرار شهادة ضمنية من تلك الحكومات الغربية بعظمة وسمو رسالة هذا الدين، وربما وأنت تقرأ كلماتي هذه تكون أحد سكان الدول التي عادت إليها الحياة بشكلها الطبيعي كما كانت من قبل، فامضِ في طريقك واسعَ لتحقيق أهدافك ولا تظلم سنة 2020 فهي تحمل أقدار الله إليك، ولم تأتِ لتُجهزَ عليك أو تنال منك ومن أهدافك وطموحاتك، وأخيرًا لا آخرًا اجعل شعارك في الستة أشهر المتبقية: «استعن بالله ولا تعجز».

هذا المقال يعبر عن رأي كاتبه ولا يعبر بالضرورة عن ساسة بوست

علامات

سنة

المصادر

عرض التعليقات
تحميل المزيد