سنة كاملة من عمر الإنسان قد تهيأت للرحيل دون أن نشعر، وكأنه شهر طوى معه وقائع ومواقف كثيرة تخللتها أحزان وأفراح ضم التراب خلال هذا العام أجساد لأحباب لنا واستقبلت الدنيا صرخات لمواليد جدد، وكم من التساؤلات والاستفهامات وعلامات التعجب نطرحها على أنفسنا على ما مضى، وعلى ما سيأتي في انتظار ما سيجيبنا به الزمن المقبل على أسئلة ما ستواجهنا من أحداث ومواقف.

ليس تطيّرا مني بنهاية السنة ولا بمنتصفها فكلها أزمنة متشابهة والفرق بينها مايصنعه الإنسان فهو من يجعلها عامرة أو يتركها فارغة والعامرة هي الأخرى تختلف شأنا اعتبارا بما يملأ من أعمال وأحداث وصنائع، وفي النهاية هي التي تحكم علينا بأننا أشخاص ناجحون أم فاشلون.

كثيرون هم أولئك الذين يستغلون بداية السنة لمراجعة العديد من الأمور الشخصية والتخطيط لحياتهم. ففي الفاتح من جانفي من كل سنة الآلاف وربما الملايين يقررون إدخال بعض التعديلات لتحسين أوضاعهم، فمنهم من يريد الرفع من مستواه في اللغات الأجنبية أو الإعلام الآلي أو التسجيل في نادي رياضي أو ثقافي أو حفظ كتاب الله أو توسيع دائرة علاقاته الاجتماعية أو حصد الثروات حتى. وهناك من يقرر أن تكون هذه السنة الجديدة سنة للتخلص من بعض العادات السلبية والسيئة كالتدخين أو إهدار الوقت فيما لا يفيد ولكل برنامجه الخاص، لكن هل يواظب ويلتزم وينضبط الفرد في ذلك؟ مع الأسف الشديد ليس لدى الكثير من هؤلاء.

فقد أظهرت إحدى الدراسات الأمريكية مؤخرا أنه واعتبارا من اليوم الثاني من شهر جانفي يتخذ 45 بالمائة من الأشخاص قرارات جديدة أخرى، ومع نهاية الأسبوع الأول من السنة الجديدة يتخلى 75 بالمائة منهم عن القرارات التي اتخذوها سابقا، وهذا الأمر راجع، إما لعدم قدرة الفرد على رسم خطة أو مرده للتفاؤل المفرط عن الوضعية الحالية للفرد أو عدم التحكم في ترتيب الأولويات أو الخوف من المجهول، وهو ما يقلل نسبة النجاح.

لكن لماذا لا نبتعد عن الاستغراق في البحث عن طرائق النجاح لدرجة الهوس وانقضاء العمر في رسم الخطط ومن ثَم نخرقها وهكذا دواليك نظل نقبع في دائرة الخطط الوهمية.. فتقسيم السنة إلى ساعات وأيام وأسابيع وشهور هو نوع من المخدرات نضحك بها على أنفسنا.. كل فترة نعيشها ننتظر بعدها بداية فترة ثانية نتوقع فيها أننا سنكون أفضل وأحسن وأقوى ولا يحدث فنقرر أن نضع أمالنا على بداية جديدة ثانية، وهكذا لا نفعل شيئا، ونظل ننتظر بداية جديدة بحلم جديد.

ألا تستحق منا هذه المحطة الانتقالية وداع عامٍ كامل من أعمارنا واستقبال عام جديد وقفة لتأمل هذا البناء الأخلاقي السليم، وكيف نبني أنفسنا بوفقه ونعمل وفق هذه الحاجة.. لننظر ماذا قدمنا لعام مضى.. وماذا حضّرنا لعام أقبل.. فأهم ما نفعله هو محاسبة أنفسنا، ونأخذ عهدًا ألاّ نشوه بياضها فنتصفّح ما صدر من أفعالنا، فإن كانت محمودةً مضينا قدما، وإن كانت مذمومةً استدركناها بالتوبة والاستغفار والاعتبار وانتهينا عن مثلها في المستقبل.

قال ابن مسعود رضي الله عنه: ما ندمت على شيء ندمي على يومٍ غربت شمسه نقص فيه أجلي، ولم يزدد فيه عملي.. فما من أحد إلاّ وهو يتطلع أن يكون أفضل ممّا هو عليه الآن ما من أحد إلاّ وهو يستطيع أن يكون أفضل ممّا هو عليه الآن.. فلنجلس مع أنفسنا جلسة صدق فيما بقيّ من ساعات هذا العام نتأمّل فيها حالنا وواقعنا.

إن إدراك عام واستقبال آخر هي منّة من المنن الإلهية، فالتغيير سنة كونية فعلى الإنسان أن لا يقسّم السنة، بل يعيشها كلها، فلا أحد يضمن عمره، وعليه أن يعلمَ أن عمره أمانة، فرضٌ عليه إعمارُه في الطاعات والصالحات مع الحرص على كل نافعٍ دنيا وآخرة.. سنة ميلادية جديدة ملؤها الخير والإيجابية والاستقرار لأمتنا.

هذا المقال يعبر عن رأي كاتبه ولا يعبر بالضرورة عن ساسة بوست

عرض التعليقات
تحميل المزيد