بدأت القصة عام 1967 في مصر، تحديدًا داخل قناة السويس، المجرى الملاحي لعبور السفن من جميع البلاد. عند مرور أكثر من 14 سفينة، تحمل مختلف الجنسيات، كل منها تذهب إلى مهمة معينة، جمعهم القدر جميعًا بالاحتجاز داخل قناة السويس.

كانت السفن تنتظر دورها لتقوم بالعبور من مجري القناة بصورة طبيعية، ولكن في فجر 5 يونيو (حزيران) عام 1967 فوجئت السفن بدوي انفجارات وإطلاق النيران بكثافة، وظن بعضهم في بداية الأمر أنها تدريبات يقوم بها الجيش المصري، حتى شاهدو الطيران الإسرائيلي يحلق على مقربة منهم، وتوقع البعض أنها تتجه إليهم وأصابهم الذعر الشديد حتى شاهدو إطلاق العدو نيرانه على الجيش المصري، وتوالت الهجمات التي عرفت فيما بعد بنكسة 67 أو بحرب الستة أيام.

توجست القيادة السياسية وقتها، خصوصًا بعد احتلال إسرائيل شبه جزيرة سيناء، من أن تسمح بعبور كل هذا العدد من السفن وقت الحرب وتصيبها الأذى، فقامت بالإسراع في عبور سفن الركاب للعودة لبلادهم. وصدر قرار من الرئيس عبد الناصر بغلق قناة السويس، والإبقاء على كافة السفن التجارية أو الحربية مؤقت في مكانها إلى أن يهدأ الوضع التي تحتم عليها البقاء داخل منطقة البحيرة المرة.

وصل خبر الإغلاق للسفن العالقة التي أصابها الإحباط الشديد واليأس، وكانت جنسيات السفن الأربع عشرة العالقة في البحيرات المرة كالآتي: أربع سفن إنجليزية، وألمانيتين، وبولنديتين، وفرنسية، تشيكية، بلغارية، أمريكية، وسويدية.

وبعد هدوء نسبي للأوضاع وانتهاء الحرب، فوجئت قيادات السفن بإبلاغهم من القيادة السياسية وقتها بقطع كافة الاتصالات وبغلق محطات الراديو بينهم.

وقامت أيضًا السلطات المصرية بمنع المذياع الخارجي التي كانت تستخدمه السفن وأرسلت ضابطًا على كل سفينة يتأكد من تطبيق التعليمات، والغرض كما أوضحت القيادة السياسية وقتها ألا يجري تسريب أية معلومة للجانب الإسرائيلي، وشددت تعليماتها على كافة السفن بعدم النزول والتحرك خارج حيز احتجاز السفن، ومن يخالف ذلك سيتم إطلاق النيران عليه، وخصوصًا أن الجنسيات المختلفة للسفن كانت موضع شك من كلا الجانبين المصري والإسرائيلي، فكان كلاهما متوجسًا من أن يكون بها جواسيس.

وبعد فترة من الهدوء النسبي وإطالة فترة البقاء داخل البحيرات المرة وعدة اتصالات مع الجانب المصري، وافقت القيادة السياسية بأن يتحرك الأفراد بين كل سفينة والأخرى داخل نطاق الاحتجاز للسفن، وعلى إثر هذا استغلت طواقم السفن الأمر لإقامة ولائم جماعية وأنشطة رياضية، بل عروض للسينما في بعض الأحيان.

وبعد مرور ثلاثة أشهر تُوصل إلى حل من قبل الشركات المالكة للسفن مع الجانبين المصري والإسرائيلي، وهو أن تقوم بتغيير طاقم السفن كل ستة أشهر ليقوموا بصيانة السفن وبالحفاظ على المواد الغذائية التي تحملها كل سفينة، كما ذكر أحد ضباط السفينة الإنجليزية، ويدعى جون ماكفيرسون، أنه اضطر بعد مرور عامين من إلقاء شحنة تفاح كاملة بمياه القناة بعد أن رفضت سلطات الجانبين المصري والإسرائيلي وقتها طلبا بأن تنزل هذه الشحنة برًا إلى الإسكندرية، وشحنها من هناك.

توالت الأحداث، وعند وصول أول طاقم جديد للسفن في أكتوبر (تشرين الأول) 1967 قاموا بإنشاء اتحاد سمي «البحيرة المرة الكبرى»، له قوانينه الخاصة، بل وقاموا باختيار أغنية لتصبح نشيدًا وطنيًّا لهم، وأطلقت الصحافة على هذه السفن وقتها «الأسطول الأصفر»، نظرًا لوجودها داخل قناة السويس وإحاطتها بالرمال الصفراء من كل اتجاه.

وصل تجانس مجتمع البحيرة إلى تنظيمهم دورة ألعاب أوليمبية، تزامنًا مع بدء دورة الألعاب الأولمبية في المكسيك عام 1968، وتشمل كافة الأنشطة الرياضية من رفع أثقال وسباق المراكب والقفز العالي، وجوائز وميداليات للفائزين، وطوابع بريدية من تصميمهم، وكانت محل تغطية كافة وكالات الأنباء حول العالم، بل حتى سارعت الكثير من هذه الوكالات لإرسال مندوبيها لتغطية هذا الحدث والتعرف على شكل الحياة داخل نطاق مجتمع البحيرات.

توالت الأحداث والحروب منذ 67 إلى حرب الاستنزاف وصولًا إلى حرب 1973 وانتصارنا على الجانب الإسرائيلي، وصولًا إلى يوم 5 يونيو (حزيران) عام 1975، وبعد مرور ثماني سنوات على إغلاق القناة، يتم فتح القناة والسماح لكافة السفن بالخروج، والتي لم تعد أي منها صالحة للإبحار وتحتاج إلى معدات باهظة لسحبها إلى بلدها، باستثناء السفينة الألمانية التي استطاعت ببعض الصيانة أن تبحر مرة أخرى، واستقبلت بطريقة أسطورية عند وصولها لبلدها الأم، وعلى إثرها قامت أغلب الدول ببيعها لشركات التأمين، فرست معظمها في المواني المصرية وفرغت بضاعتها (الصالح منها)، أو جرت صيانتها مرة أخرى.

لتنتهي بذلك أطول رحلة بحرية على مدار التاريخ بما فيها من أحداث وحروب 67، حرب الاستنزاف، حرب 73، وكما ذكر «اليوتيوبر» المصري أحمد الغندور الشهير في إحدى حلقاته برنامجه «الدحيح».

إن هؤلاء الأشخاص اضطرتهم الظروف أن يصبحوا شهود عيان، بل مشاهدين من الصف الأول، لكافة الحروب والصراعات في حقبة من أخطر وأهم الأوقات التي صنعت تاريخ مصر الحديث، وأخيرًا أقتبس عنوان الأستاذ عبد اللطيف الطحان الكاتب الصحافي في مقالة الذي سرد فيه تفاصيل الأسطول الأصفر: «قناة السويس.. الأسطول الأصفر كان هنا».

هذا المقال يعبر عن رأي كاتبه ولا يعبر بالضرورة عن ساسة بوست

المصادر

عرض التعليقات
تحميل المزيد