في مقالنا السابق ذكرنا أننا سنختار المجتمع اليمني كمجتمع تغلب فيه ذهنية الحركة والعمل على ذهنية الفكر، والتي نرى أنها تشكلت بفعل عدة عوامل وشواهد في تاريخه الاجتماعي والثقافي والسياسي والاقتصادي والجغرافي، وذكرنا حول ذلك عدة عوامل رأينا أنها تخولنا لاختيار هذا المجتمع تحديدا كميدان للبحث. في نهاية المقال ألمحنا إلى أننا سنتاول ذلك الماضي بكل جوانبه، لنرى كيف كُرست تلك الذهنية عبر الأجيال حتى غدت منهجية وسلوكا ونمط عيش في حياة ذلك المجتمع والتي نرى أنها ما زالت حتى اللحظة تمارس فعلها فيه.

التضاريس والبيئة

في منتصف الألفية الثانية قبل الميلاد تشكل الاجتماع اليمني الأول حسب البحوث الإركولوجية والحفريات التي قدمتها عدة نقوش سبئية وحميرية وجدت في مواقع أثرية متفرقة من اليمن، قدمت لنا تلك النقوش صورة عن الأوضاع التي عاشها الإنسان اليمني في تلك العصور، وعطفا على ما سبق نحن لا نضع في هذه المقالات هذا التوقيت كبداية لهذا الاجتماع البشري، لاعتقادنا أن هناك ما هو مطمور ومنسي من تاريخ هذا البلد لا يزال في بطاحه ووديانه لم يكتشف بعد، وإنما سنتعامل بموضوعية حسب ما توفرت لنا من مصادر وكشوفات أثرية، ثم بما نرى من آثار ونتائج يمكن فهمها وتفسيرها من خلال بنية المجتمع التي نفترض في هذه المقالة أنها لا تزال تحتفظ بخصائصها كما بينا ذلك في مقالات سابقة.

كان لطبيعة جغرافيا اليمن أثر كبير وفعال في طبع الحضارة اليمنية القديمة بطابع خاص، بل إنه ليصعب معرفة التنظيمات الاجتماعية، والتكوينات السياسية والحياة الدينية والاقتصادية التي عرفها اليمن القديم والوسيط والحديث بمعزل عن معرفة الطبوغرافيا اليمنية، وتراكيب جغرافيتها المتنوعة: جبال تعيش على الأمطار الموسمية، وسهول، وأودية، وهضاب ذات خصوبة عالية، وصحار تغطي مساحة شاسعة وشريط ساحلي ممتد يحيط بالجغرافيا اليمنية من ثلاث جهات، ذلك التنوع انعكس – دون شك – على تنوع المناخ وعلى تنوع المحاصيل الزراعية، وبدوره انعكس كل ذلك أيضا على طبائع الناس وتفاعلهم مع البيئة من حولهم في علاقة تأثير وتأثر متبادل، طبعت البيئة من خلال تلك العلاقة أثرها وصعوبة مجابهتها والحركة الدائبة في تطويعها في الإنسان اليمني، وفي المقابل طبع فيها الإنسان اليمني أثره وفعله، ففهمها وطوعها، وفي ذلك يرى «بروكس (C.E.P Brooks)» عالم المناخ البريطاني في مؤلفه «المناخ عبر العصور»، أن تأثير المناخ في الإنسان هو تأثير غير مباشر، وذلك بتأثيره في النبات الطبيعي، ومن ثم ينفذ هذا التأثير إلى ظروف البيئة وإمكانيتها الاقتصادية، التي تكيف طرق المعيشة للإنسان، وهو أهم آصرة ترابط الإنسان ببيئته الطبيعية.

وبرأينا ينطبق هذا إلى حد كبير على العلاقة بين الإنسان اليمني وبيئته التي شكلت سلوكه وتفكيره ونظرته، وهو بدوره شكلها وفطن لتقلباتها، ولذلك أحس الإنسان اليمني القديم أنه يقف وجها لوجه مع الطبيعة، تقابله وجها لوجه، يصارعها تارة ويطوعها ويسايرها تارى أخرى، وفي مرات قتلته وأفنته ونفته منها.

وإذا كان يتطور التفكير عند الأفراد بتأثير عوامل البيئة التي تحيط بهم وأخرى وراثية، فإن مونتيسكيو (1689-1755م) في كتابه (روح القوانين). قد بالغ في آثار البيئة الجغرافية في أحوال العمران والتقاليد والعادات، ومستوى الحضارة، وشكل الحكومة، ونظم السياسة والاقتصاد والحرب والأخلاق، ومستوى تكاتف السكان وتخلخلهم، ومدى ما ينعم به الشعب من حرية واستقلال أو يعانيه من تبعية وخضوع، بل أنه نسب لها أيضا الفضل في نشأة النزعات الديمقراطية ورسوخها في نفوس الأفراد، كما حملها الوزر في إشاعة نظام الطبقات ونظم الاستعباد والتبعية، ومن بين ذلك استعباد الأفراد بعضهم لبعض (الرق المدني) والرجال لنساء (الرق العائلي).

وفي ذلك يقول توفيق الحكيم في مؤلفه «تحت شمس الفكر»، وما «اليونان» بأساطيرها وفلسفتها بغير البحر المتوسط وجزره؟ وما أساطير «النرويج» بغير غابات وبحر الشمال؟ وما النرفانا في فلسفة «الهند» بغير نهر «الجانج» المقدس وأدغال الهند، وإذا جاز لنا التعبير فما «اليمني» بأنفته واستقلاله وحركيته وصلابته وحضارته التي أقامها، وبالتالي ذهنيته، إلا جبال اليمن الشاهقة وهضابه الوعرة، وصحاريه الممتدة، فنراه يعبد آلهة الإخصاب «المقة» جاعلا من الثور رمزا لها في لوحاته النذرية، فبالثور تُحرث الأرض، وهو الإله الرئيسي في اليمن القديم، ونراه يعبد القمر ليعرف مواسم سقوط الأمطار ومواسم الحصاد، ونراه يتعبد «ذو منخم» إله المطر ليجري الماء ويسقي الزرع، ونراه يسمي الأشهر بموسم الزراعة منذ أن يذرها في الأرض حتى يحصدها، ونراه يتعبد الآلهة لتعطيه الذكور دون الإناث لكي تعمل في الأرض وتقاتل في الحروب ويكثر بها عدد أفراد القبيلة، ونرى لغته وأمثاله وقصصه تتشبع بالمسميات الزراعية والتجارية والعمرانية والحروب والمنتوجات اليدوية، بل أننا نرى نشأة المجتمع والعلاقات الاجتماعية وتشكل النظام السياسي ونشأة الحضارات اليمنية، كل ذلك كان للمناخ والبيئة الدور الكبير في تشكلها.

وعطفًا على ما سبق، يمكننا القول أن التنوع البيئي والمناخي ووعورة التضاريس اليمنية، دفعت الإنسان اليمني للحركة ومغالبة الطبيعة والتكيف معها، فما أن ينتهي من موسم حتى يدخل في موسم آخر يعد له العدة، وإذا صحت المقولة التي تقول أن الفكر هو ذاته نتاج الواقع، فإن البيئة العملية للطبيعة اليمنية قد أنتجت ذهنية عملية، وفي ذلك يذكر أحمد أمين في كتابه «فجر الإسلام» أن العوامل التي عملت في تكوين العقلية العربية وفي تكيفها هما عاملان قويان وهما: البيئة الطبيعية، وعنى بذلك ما يحيط الشعب من جبال وأنهار وصحراء وغير ذلك، والبيئة الاجتماعية، وعنى بها ما يحيط بالشعب من نظم اجتماعية كالحكومة والدين والأسرة.

للوهلة الأولى، قد تجد صعوبة في قراءة تاريخ اليمن لجملة من الأسباب لا يسعنا ذكرها في هذا المقام، زخم كبير من الأحدث التي جرت فيه منذ منتصف الألفية الثانية قبل الميلاد وما زالت تحدث حتى يومنا هذا، وربما لن تتوقف حتى نفهم ما هي الخصائص والعوامل التي صنعت الاجتماع البشري في هذا البلد، إلا أنك ولبرهة من التفكير تسأل، لماذا كل هذه الأحداث وكل هذا الفعل في التاريخ؟ ما الذي صنع هذا الفعل وشكله؟ ولمجرد أن تضع خارطة الأحداث بين يديك، تفهم، إنها (الجغرافيا – التضاريس – البيئة)، كل ذلك كان له الدور الكبير في تشكّل الاجتماع البشري الأول في هذا البلد، وكان له الدور الكبير أيضًا في تشكل الهوية والثقافة والحضارة، بل كان له الأثر الأهم فيما أسميناه في محور كلامنا هنا «منهجية التفكير»، بالإضافة إلى جملة من الأحداث سياسية والعسكرية التي شكلتها أيضًا البيئة والتضاريس اليمنية.

منذ منتصف الألفية الثانية قبل الميلاد حتى اليوم، كانت الجغرافيا والبيئة هي العامل الرئيسي في رسم ملامح هذا البلد، سمة التكرار في الأحداث وتشابهها تجعل من الجغرافيا اليمنية ذاكرة تاريخية يسهل للمطالع أن يقرأ فيها ويستخلص القوانين التي كانت تحكم تاريخ اليمن، ذلك أن الأحداث التي جرت فيه، كانت البيئة هي العامل المهم في تكوينها وتشكلها، سواءً أكانت حالة ازدهار أم حالة انحطاط، بل إن فهم المجتمع اليمني وتشكله الثقافي والاجتماعي، لا يذهب بعيدا عن التغيرات المناخية والبيئية والجغرافية لهذا البلد. «إن كان الإنسان هو من يصنع الفعل في التاريخ والجغرافيا، إلا أن الجغرافيا اليمنية هي من صنعت إنسانها وفكره وحضارته وتجمعه الأول». 

كانت حضارة اليمن حضارة عملية من الطراز الأول، شكلتها الجغرافيا والبيئة والتضاريس، وكانت التجارة والزراعة والمصالح المشتركة هي عماد تلك الحضارة العملية، بها قامت الحضارات اليمنية القديمة وبها انحطت، وبها أيضا دخلت اليمن في طي النسيان إبان الحكم الإسلامي.

حينما نُسيت اليمن وتحولت إلى كتائب في صفوف الجيش الإسلامي المتجهة غربا وشرقا. من جملة الأحداث التاريخية لهذا البلد تظهر الجغرافيا مرة أخرى كعامل لم شمل مكوناته ووحدته وضمان نموه وازدهاره، فكل قطعة من جغرافيا اليمن تظهر كما ولو أنها قطعة مكملة وأساسية لبقية المناطق الأخرى، يظهر هذا التكامل أمام العوامل المناخية والبيئية والظروف القاسية التي تكمل بعضها البعض على الإنسان اليمني، يقول الدكتور صادق عبده في كتابه الهوية السياسية والحضارية لليمن: وقد عرفت الحضارة اليمنية مظاهر التكاتف والتعاون الجماعي، على أسس طوعية متكافئة، ومعزز بروح الواجب والمسؤولية المشتركة التي تفرضها قوى الطبيعة القاسية.

وضرورات الحياة الاقتصادية والاجتماعية وتبادل المصالح والمنافع المشتركة على النطاق الاجتماعي، ومن أجل ذلك سخر اليمنيون الأقدمون على اختلاف فئاتهم وتفاوت حصصهم من المال – طاقاتهم الذهنية والجسدية، للتغلب على المعضلات الطبيعية والقاسية، فأقاموا المنشآت العامة والخاصة كالسدود والمدرجات الزراعية والطرق وحفر الآبار والبرك والصهاريج، وتقول أسمهان الجرو في كتابها دراسات في تاريخ اليمن، أقاموا التجارة الاستهلاكية والنقدية التي غزوا بها بلاد الإغريق واليونان والآشوريين والفراعنة فأبدعوا فيها.

هذا المقال يعبر عن رأي كاتبه ولا يعبر بالضرورة عن ساسة بوست

المصادر

عرض التعليقات
تحميل المزيد