(حاربي وارقدي) مثل يمني شهير يعتبر من الأمثال اليمنية الحديثة. قائل هذا المثل هو صالح، الرئيس اليمني الذي تم خلعه من كرسي الحكم بثورة شبابية شعبية، انطلقت في الحادي عشر من فبراير بعد أن حكم الجمهورية اليمنية 33 عامًا. يعود تاريخ هذا المثل اليمني للعام 2014، وذلك بعد أن خرج صالح من السلطة وبدأت تحل كل القضايا اليمنية بحوار وطني شامل. بقيت قضية واحدة تدور في رأس صالح، هي قضية الملك الذي نزع منه، وكيف له أن ينتقم من خصومه الذين نازعوه ملكه. يمم صالح وجهته إلى صعدة، وقرر أن يتحالف مع عبدالملك الحوثي، فهو صاحب مشروع عودة الملكية، ولديه جماعة دموية متمرسة للحرب والقتال. هذه الجماعة أصبحت أمل صالح الوحيد في قلب الطاولة على ثوار فبراير وتحويل فرحة الشعب برحيله إلى مأتم، ونسف كل ما تم الاتفاق عليه من مخرجات الحوار الوطني، ومسودة الدستور، والتهيئة لجمهورية حقيقة تختلف عن جمهوريته الصالحية التي استفرد فيها بالحكم لثلاثة عقود ونيف.

قرر صالح أن ينقلب على الجمهورية اليمنية الثانية التي بدأت تتشكل خطوة بعد خطوة، وبدأ يفكر في بيع اليمن لأعداء الجمهورية، وساعده في ذلك سياسية الدولة العميقة، وولاء القبائل الأعمى ممثلة ببعض مشائخ الشمال الذين يدينون له بالولاء المطلق وتربطه بهم علاقة مصالح قوية. استخدم صالح نفوذه القوي في الجيش والقبائل وبدأ يتواصل بالملكيين الجدد ويعرض عليهم خدماته ويعدهم بتسهيل الصعاب أمامهم للسيطرة على اليمن لينتقم ممن خلعوه ويعود باليمن للحكم الإمامي والشطري كي يصبح هو صانع الجمهورية الوحيد وحامي حمى الوحدة وليجعل الشعب يقول سلام الله على صالح.

خرج أنصار الملكية من كهوفهم في صعدة فسيطروا على كل الألوية العسكرية في محافظة صعدة بتوجيهات من صالح، ثم توجهوا بعدها صوب العاصمة صنعاء. كانت تقف أمامهم قبائل قوية، هي قبائل حاشد وغيرها من قبائل محافظة عمران ولا يمكن تجاوز هذه القبائل بسهولة. هذه القبائل ممثلة بمشائخها كانت تدين بالولاء لصالح وتأتمر بأمره، وهذا هو الأمر الذي جعل أنصار الملكية يعقدون حلفهم السري في البداية مع صالح آنذاك.

تواصل صالح بمشائخ القبائل وأمرهم بعدم اعتراض مليشيات أنصار الملكية القادمة من صعدة، ثم أغدق الأموال على مشائخ تلك القبائل في محافظة عمران مقابل التعاون مع الحوثيين وتسهيل مرورهم للقضاء على أبناء الأحمر ولواء القشيبي. احتال صالح حينها على دول الجوار وأوهمهم أن الحوثي عبارة عن عصا سيضرب بها حزب الإصلاح الجناح السياسي للإخوان المسلمين الذي له دور بارز في الثورة الشبابية ضد صالح، تلك الثورة التي كانت امتدادًا لثورات الربيع العربي في عام 2011.

تعاونت حينها دول الجوار، وفي مقدمتها السعودية والامارات مع صالح لتمرير المخطط، ودعموا الحوثي بملايين الدولارات ليتمكن من تنفيذ المهمة، وهي القضاء على حزب الإصلاح. لم يكن أبناء الأحمر أو القشيبي أو الإصلاح حينها هو الهدف الحقيقي الذي تسعى إليه جماعة الحوثي، بل القضاء على الجمهورية وعودة الإمامة وحكم اليمن بالحديد والنار فالولاية حق إلهى لا ينازعهم فيه أحد. انطلق الحوثيون حينها لفتح قبيلة حاشد وسيطروا عليها، ثم دخلوا عمران وتم القضاء على حصن من حصون الجمهورية اللواء حميد القشيبي. كان صالح حينها على تواصل مستمر بالحوثيين لاستكمال المخطط وهو القضاء على الجمهورية.

أجرى صالح اتصالًا هاتفيًا بأحد قيادات الحوثي بثت قناة الجزيرة تسجيلًا صوتيًا له قال فيه (سيطروا على المنافذ البرية والبحرية والجوية، نحن راكنين عليكم مش هكذا حاربي وارقدي). نبه صالح أنصار المليكة باستكمال المخطط والانقضاض على الجمهورية بحنكة وحرص شديدين. صالح كان حينها ينصح ويوجه ويذلل الصعاب لأنصار الملكية وكان أشد حرصًا منهم على نجاح المخطط وإسقاط اليمن بأيدي الملكيين الجدد القادمين من كهوف صعدة. كانت توجيهاته لهم باستغلال كل ما من شأنه أن يفضي إلى تحقيق أهدافهم بإسقاط الجمهورية وعودة الإمامة.

كان الحوثي يدرك ذلك جيداً فهو من خاض في صعدة ستة حروب مع صالح من أجل الوصول الي صنعاء وإعلان الولاية. تلك الحروب التي خاضها معهم صالح لم تكن من أجل القضاء على التمرد الحوثي فهو من أوجد الحوثي، إنما خاض تلك الحروب من أجل القضاء على الجيش الذي كان تحت سيطرة علي محسن الأحمر، وذلك تمهيدًا لتوريث الحكم لنجله أحمد، فقد كان ذلك الجيش يقف حجر عثرة في طريق التوريث.

خاض الحوثي حروبه بيقظة تامة عملًا بنصيحة صالح، وواصل الزحف على صنعاء بتسهيل وتواطؤ وتعاون مباشر من صالح. سقطت صنعاء في الواحد والعشرين من سبتمبر وما يزال الحوثي يقظًا لالتهام ما تبقى من اليمن. توجهت مليشيات الحوثي بعدها للمنافذ البرية والبحرية وللمحافظات اليمنية فأسقطتها واحدة تلو الأخرى حتى وصلت عدن وأدركت حينها دول الجوار الفخ الذي أوقعهم فيه صالح فانطلقت عاصفة الحزم. واجه الحوثي العاصفة متحالفًا مع صالح علنًا هذه المرة بحجة الدفاع عن الوطن من العدوان الخارجي. الحوثي، وعلى الرغم، من تحالفه مع صالح، إلا أنه لم ينم ومازال يقظًا حذرًا من مكر صالح وخداعة.

خاض الحوثي حروبه بيقظة حتى قضى على كل خصوم صالح كما أوصاهم صالح بنفسه قائلًا (مش هكذا حاربي وارقدي). الآن جاء الدور على صالح، فما كان للحوثي أن يقضي على خصوم صالح بيقظة وينام أمام الثعلب الماكر حليفه صالح الذي خاضوا معه ستة حروب والذي يعتبرونه قاتل قائد الحركة الحوثية ومؤسسها حسين بدر الدين الحوثي. ما كان للحوثي أن يحارب وينام حتى يقضي على صالح أيضًا عاجلًا أم آجلًا. أبو الطيب المتنبي قال: الخيل والليل والبيداء تعرفني؛ فكانت سببًا في مقتله، وها هو صالح يعاني من نفس المصير الذي قد ربما يلقاه ممن قال لهم يومًا ما (مش هكذا حاربي وارقدي).

بعد كل هذه المآسي والألم الذي سببه صالح للشعب، طمعًا في السلطة، وانتقامًا من ثورة فبراير ورموزها، وبعد كل المعاناة التي سببها صالح للمواطن اليمني يحق لنا أن نقول للحوثي اليوم، “هذه فرصتك ومش هكذا تحالفي وارقدي، دقوه مش هكذا تحالفي وأرقدي، اتغدوا به قبل ما يتعشى بكم مش هكذا تحالفي وارقدي، صحتين وعافية”.

26 سبتمبر ثورة مستمرة.

هذا المقال يعبر عن رأي كاتبه ولا يعبر بالضرورة عن ساسة بوست

عرض التعليقات
تحميل المزيد