اكتست مسألة اليوسفية في السنوات التي تلت أزمة 2011 تعاطفًا في الخطاب الشعبي التونسي. فكانت النخب التونسية تناصر هذه الحركة على اعتبار أنها اضطهدت في سنوات الخمسينات من القرن العشرين، وكذلك بعد السنوات التي تلت استقلال تونس في 20 مارس (آذار) 1956. أثارت مسألة اليوسفية بعد أزمة 2011 السياسية، والتي انتهت بسقوط نظام بن علي جدلًا كبيرًا في الأوساط الشعبية والسياسية، خصوصًا في المنابر الإعلامية.

وفي هذا الجدال لاحظنا انحيازًا للحركة اليوسفية وغيابًا واضحًا للموضوعية. فبالنسبة للأوساط السياسية، سواء داخل المنابر الإعلامية أو خارجها؛ إذ ترى بعض الأحزاب السياسية زعيمها صالح بن يوسف المناضل الذي عاش حرًا ومات عزيزًا لأجل تحير البلاد من الاستعمار.

وترى الأحزاب ذات المرجعية القومية أن اليوسفية كانت حركة ذات توجه وطني ترفض إنصاف الحلول، ونعني بذلك رفض قائدها بن يوسف الاستقلال الذاتي في 03 يونيو (حزيران) 1955 الذي أمضاه بورقيبة مع نظام الحماية الفرنسية. بعد إمضاء هذه المعاهدة بين تونس وفرنسا، لم يبق لبن يوسف سوى إثارة الرأي العام ضد البورقبيين.

سنحاول في هذا الإطار مع التزامنا قدر الإمكان الموضوعية والحياد والتخلص من كل ما هو أيديولوجي إضفاء مزيد من الدقة حول الحركة اليوسفية في تونس.

1- اليوسفية والزعامة

تعتبر الزعامة وحب المواقع من أبرز الاسباب التي جعلت أتباع صالح بن يوسف يبادرون بالانشقاق عن صفوف المقاومة المسلحة.

في هذا الإطار يستوجب علينا العودة إلى ظروف انعقاد مؤتمر صفاقس سنة 1955، والذي انتهى بطرد صالح بن يوسف من منصب الأمانة العامة للحزب الحر الدستوري التونسي الجديد.

وتؤكد الأستاذة عروسية التركي أن سبب اختيار مدينة صفاقس لانعقاد أول مؤتمر علني هو المد الضعيف لليوسفية هناك.

وتمثل هذه المدينة أيضا مسقط رأس الزعيمين فرحات حشاد والهادي شاكر.

وهكذا يفهم مما سبق أن عقد المؤتمر بهذه المدينة شكل تكريما لهذين الشهيدين اللذين كانا رمزًا للتضحية في سبيل الوطن. كما يكمن السبب الأكثر أهمية في اختيار هذه المدينة لاحتضان المؤتمر في خوف الدستوريين من ًفشال المؤتمر من قبل جماعة بن يوسف.

ومن أبرز ما يؤكد رغبة صالح بن يوسف في تزعم الحركة الوطنية هو مقاطعته للمؤتمر. غير أن أغلب المؤتمرين اقترحوا على الزعيم الحبيب بورقيبة دعوة بن يوسف إلى حضور المؤتمر لتوضيح موقفه فلم يمانع بورقيبة ذلك.

لكن صالح بن يوسف رفض حضور المؤتمر وربط مجيئه بعدة شروط كدعوة الشعب المنضوية تحت الأمانة العامة، وهو أمر يتطلب وقتًا إضافيًا يقدر بأسبوع، والوقت لا يسمح بذلك.

وهكذا نلاحظ أن انشقاق الحركة اليوسفية عن المقاومة لم يكن سببه إبرام معاهدة الاستقلال الداخلي في 3 يونيو 1955.

ولم يمثل إمضاء هذه المعاهدة سببًا لانشقاق بن يوسف عن الحركة الوطنية.

2- اليوسفية فتنة ًم حركة معارضة ذات توجه وطني

ظلت المواقف التونسية بخصوص الحركة اليوسفية متباينة سواءً في الخمسينات أو بعد أزمة 2011.

ضمن هذا الإطار يبقى مفهوم الحركة الوطنية غامضًا إلى اليوم. فهناك جماعة من السياسيين يعتبرون أن الحركة اليوسفية كانت حركة معارضة ذات توجه وطني، في حين يرى شق آخر من الساسة أن اليوسفية ظهرت لإثارة الفتنة في صفوف الحركة الوطنية.

اليوسفية أزمة في صفوف الحركة الوطنية

أطلق الزعيم الحبيب بورقيبة على أتباع صالح بن يوسف في عدد من المرات مصطلح عناصر فتنة وشقاق، وقد تكون الغاية من ذلك التقليل من قيمة اليوسفية في الذاكرة الجماعية التونسية.

وهكذا نفهم مما سبق صحة موقف الزعيم الحبيب بورقيبة المتمثل في إثارة اليوسفية الفتنة والتقسيمات في صفوف الحركة الوطنية. وبقي الاضطراب سائدًا في صفوف الحركة الوطنية طيلة الخمسينات ليؤخذ منحنى آخر بعد الاستقلال.

اليوسفية حركة ذات توجه وطني

اعتبرت الحركة اليوسفية عند بعض المقاومين حركة معارضة ذات توجه راديكالي حيث بدت لهم حركة رفضت الخطوات التي تعيد النضال إلى الوراء، حيث اعتبر قائدها صالح بن يوسف إمضاء اتفاقية الاستقلال الداخلي خطوة للوراء. كما تظهر اليوسفية حركة راديكالية للأوساط الشعبية التونسية من خلال معارضة قائدها للزعيم الحبيب بورقيبة، وعدم التزامه بخط الحزب الحر الدستوري التونسي.
وتمثل موقف بن يوسف في مواصلة المقاومة المسلحة إلى حد إخضاع الاستعمار الفرنسي والحصول على الاستقلال التام.

هذا المقال يعبر عن رأي كاتبه ولا يعبر بالضرورة عن ساسة بوست

المصادر

عرض التعليقات

(0 تعليق)