تحت وطأة الحداثة

تكلمنا في المقالة السابقة عن إشكالية الخطاب الإصلاحي الموجة للشباب، الذي وقع أسيرًا لبهاء المنظومة الحداثية وإغراءاتها، وبيّنا أن الخطاب يفتقر إلى النظرة التحليلية للمجتمع، التي تورث فهمًا للأفكار الحاكمة فيه، ويتطلب أيضًا إدراك الخلفيات الفكرية للحضارة الغربية، بالإضافة إلى معرفة طبيعة الشباب أنفسهم. ولنفترض أن الدارس قد حصَّل هذه الأمور بعد التحليل العميق، والمراقبة المتأنية، عندها يحصل الفهم لديه بالواقع، ويدرك خطورة المتوقع، ويبقى نقل المخاطب إلى هذا الفهم، وهذا لا يتم كيفما اتفق، بل لا بد أن يحصل بطريقة منهجية، لا تشابه المعهود في الطريقة الخطابية، كي لا
تتشابهان في المصير. الأركان الثلاثة الأوَل جاءت في دائرة الفهم، وإليك ثلاثة أُخَر في دائرة العمل:

رابعًا: من النظرة الجزئية إلى النظرة الكلية

يحتاج الشباب إلى خطاب جديد يبلور صورة كلية غير منقوصة في مجالات أساسية، تحتل في وجدانهم مقامًا عاليًا، ومكانة رفيعة، مثل: العلم والحرية، وتحرر المرأة، وحقوق الإنسان، وغيرها. ذلك أن النظرة الجزئية المنقوصة، التي تظهر جانبًا واحدًا من الصورة، قد تؤدي إلى استحسان القبيح وتقبيح الحسن. إن النظرة الأحادية ذات البعد الواحد هي سمة معظم المنهجيات والفلسفات، سواء المادية أو المثالية، القديمة منها أو الحديثة، ولقد أجاد الرئيس الراحل علي عزت بيجوفيتش بعرض مساوئ المناهج الأحادية، والكوارث الإنسانية التي جلبتها في كتابه العظيم «الإسلام بين الشرق والغرب» أيما إجادة. إن النظرة الكلية المبتغاة لا بد أن تعترف بالحسنات، ولكن لا تغفل عينها عن السيئات، تكشف الجانب المضيء، ولكن لا تخفي الجانب المظلم. إنها نظرة يحكمها التوازن، فهي نظرة إلى الحقائق على ما هي، فلا ترفعها أكثر مما تستأهل، ولا تخسفها دون قيمتها. وهي تقف على طرف النقيض من النظرة القارونية؛ ذلك أن النظرة القارونية نظرة نسبية، تشبه تمامًا النسبية القيَمية في العصر الحديث، حيث كل القيم والأخلاق والثوابت نسبية، تقبل المساومة والتجزئة والاجتهاد. القارونية إعجاب وتشوّف لمباهج انصرفت عن القيم والأخلاق على وجه التحصيل والمآل. وزد على ذلك أنها سعي لما يورث ألمًا وحسرة.

وهكذا فالنظرة الكلية تشبه الصورة البانورامية التي تُظهر المشهد مكتملًا، فتُرى المميزات أو العيوب للمواضيع التي ندرسها، فيزداد بعضها رونقًا، وتُنزع القداسة عن البعض الآخر.

ولا يحتاج المصلح أو الدارس في هذه المرحلة لعب دور الواعظ، أو المرشد الأخلاقي، بل يجب أن ينصب جهده على المبالغة في الإلمام بالموضوع الذي بين يديه، لكي يتسنى له عرضه بالشكل الصحيح. وقد يبدو هذا الكلام نظريًّا، لذلك سيأتي التطبيق العملي على هذه النقطة لاحقًا.

خامسًا: من الموقف الدفاعي وردة الفعل إلى المبادرة والشجاعة في النقد والعرض

وكذلك فإنه من أهم سمات الخطاب الذي نريد أن يمتلك الشجاعة لمناقشة بعض الأساسيات، التي نُسجت حولها هالة من القدسية، والإفصاح عن بعض الشكوك حولها. ذلك أن الإنتاج الفكري الإسلامي المعاصر أصبح في جزء كبير منه مجرد ردود فعل على هجمات الفكر الحداثي، فقضايا مثل المرأة والحرية، وآليات الحُكم، وكثير من الآراء الفقهية الحديثة، باتت تُطرح من أجل رد الشبهات ونفي الاتهامات من ناحية، أو محاولة تقديم صورة متكلفة لتأكيد ملاءمة الفكر الإسلامي لابتكارات الحداثة، واكتشافات العلم الحديث من ناحية أخرى. وسواء كان الرأي الاستسلام أو الرفض أو التوسط، ظل منتهى ما يريد الفكر المعاصر أن يخرج من هذه المعركة بسلام، وظل يقبع خلف أسوار الحيرة، والذب عن النفس، ورد الفعل، وترك أخذ زمام المبادرة، ولم يجرؤ إلا قلة من الأفذاذ على الاختراق، وإبراز الحلول الإنسانية، التي تعاني البشرية من فقدها، وكأن الدين قد انطفأت أنوار الإرشاد والهداية فيه، فوضعناه بإيدينا في قفص الاتهام. ولكن ظلت هذه المحاولات تعاني بالمجمل من الاختزالية، وقلة الدراية بالآخر، وكذلك من الخطاب الهجومي العاطفي.

سادسًا: الخطاب الإنساني الشامل بمرجعية الوحي

وهكذا ينبغي في النهاية أن ننتج خطابًا إنسانيًا شاملًا لكل المجالات الحضارية الكبرى، بعثًا حقيقيًّا لمعاني الإنسانية والأخلاق والإيمان، يتكاتف في تشييده علماء الاجتماع، والتاريخ، والشريعة، والفلسفة والاقتصاد…، يعتمد هذا الخطاب على الوحي في تحديد القيم والثوابت والمطلقات، وعلى العلم في ترسيخ الإيمان، وعلى الحرية في دفع الإبداع، ويركز على المشترك الإنساني، ويكشف المآلات الظالمية للفلسفات الوضعية، ويعالج مشكلات الحاضر؛ فيداوي الروح الإنسانية المثخنة بالجراح، ويعيد توطين كل من العقل والعلم تحت راية القيم والأخلاق. هذه لمحة سريعة عن الخطاب الإنساني المنشود، الذي تنوء بحمله الأفراد، ويحتاج إلى تضافر جهود خيرة العلماء (للأسف لا يتسع المقام للتفصيل فيه أكثر).

العلوم التجريبية نموذجًا

لنأخذ مسألة العلم مثالًا عمليًّا تطبيقيًّا على المنهجية الجديدة لكي تتضح الصورة:

ليس هناك حاجة للإسهاب في عرض التسهيلات التي هيأها التطور العلمي والمادي في حياة الناس، فهي معروفة للجميع، وقد وصلت آثارها إلى قلوب الصحاري وأعماق الأدغال. وهذا الاختصار لا يتناقض مع النظرة الكلية، إنما يوفر بعض الوقت على القارئ. ونقصُر استعمال مصطلح العلم في هذه المقالة على العلوم المادية التجريبية التقنية، التي تبحث في الطبيعة والجسد وسائر الموجودات المحسوسة، وليس المقصود العلوم الإنسانية.

إن من طبيعة معظم البشر عامة، والشباب خاصة إعجابهم بالقوة والإنجاز، أكثر من الحكمة أو الحلم. والاحتفاء بالقوة العُمرية يفوق الاحتفاء بباقي السمات لدى باقي الصحابة الكرام. ولا يُلام الشباب على التطلع إلى القوة العلمية، التي هي عمود النهضة الحديثة بعين الإعجاب والتقدير، ولكن الواجب إرساء النظرة الكلية لديهم في هذا الجانب ابتداءً، وإزالة النظرة القارونية من منهجياتهم التفكيرية.

يرى البعض أن العلم هو الدين الجديد في عالم الحداثة، فما يثبته هو المقدس، وما لا يعرفه مجرد أساطير وخرافات لا يصدقها إلا البسطاء. وأصبح يشكل عند الكثيرين المطلق الوحيد، والثابت الأول، والحقيقة الكبرى، التي ليس فيها ارتياب، وبلغ الأمر ببعض العلماء المراهنة على مقدرة هذه العلوم على تقديم تفسير لكل شيء، وأن يكتشف الإنسان كل مجاهيل الكون في سنوات معدودة، ويحل كل إشكالياته، ثم يتوج نفسه إلهًا لهذا الكون في مرحلة نهاية التاريخ، التي توهم المفكر الأمريكي فوكوياما أن الحضارة الغربية ممثلة بالولايات المتحدة قد بلغتها (ويبدو أنه تراجع بعد ذلك)، حيث لا توجد أمراض ولا آلام، ولا جوع ولا فقراء، وكل شيء متوفر وتحت السيطرة. إنها الجنة الدنيوية، قطوف العلم فيها دانية.

مأزق العلوم المادية في عصرنا

ولكن الواقع اليوم يكذب هذه النظرة الساذجة، فكلما اتسعت دائرة المعلوم، اتسعت دائرة الأسرار والألغاز، التي لم نجد لها تفسيرًا، بل قد لا نبالغ إذا قلنا إن ما لا يعرفه الإنسان عن نفسه وجسده أكثر مما يعرفه، ناهيك عن الكون. إن طبيعة الحياة نفسها لا نعرف لها تفسيرًا بمنظور العلم. كيف يمكن لتركيبة من الأنسجة والأعصاب أن تدب بها الحياة؟ وعمليات التفكير والإبصار والتذكر مليئة بالألغاز، والدافع فيها أبدًا مجهول. يستطيع العلم مثلًا أن يصف بدقة عالية كيفية عمل بعض الأعضاء، ولكن لا يستطيع أن يخبرنا لماذا تعمل، وما هو المحرك لذلك. فمثلًا يستطيع أن يصف كيف نسمع، أو متى تتجمد المياه، ولكن لا يستطيع أن يخبرنا لماذا يحصل هذا. فمجال العلم إذن ينحصر في «ماذا يحدث؟»، وليس في «لماذا يحدث؟»، وفي الإجابة عن «ما هذا؟»، وليس عن «لماذا؟». وهكذا فإن طبيعة العلم وصفية وليست تعليلية.

وإذا كان العلم لا يقدم إلا تفسيرات لظواهر الطبيعة، فليس عنده إذن ما يقدمه في عالم الروح؛ والإنسان الحديث يسعى لتحقيق السعادة والسيادة عن طريق العلم، ولن يجني في هذا الطريق إلا متعًا ومنافع رابطتها بالسعادة مرتهنة ومشروطة، وقد يصبح اتصالها بالشقاء أشد وأوثق في سياق تطورات معينة.

إن العلم قد أنتج أسلحة تستطيع تدمير العالم مئات المرات؛ والطائرة التي تختصر أوقات المسافرين، تستطيع مثلها أن تزهق أرواح الآلاف بوقت أقل؛ ووسائل الاتصال كرست الانعزال؛ وفناء الكوكب بالتلوث البيئي أصبح مسألة وقت، حسبما ما يقول بعض الخبراء، وانقراض البشرية لم يعد أمرًا بعيدًا.

لو وضعنا هذه الأمور في حسبة تكلفة التقدم العلمي، بالإضافة إلى سلبيات المجتمعات الصناعية الناشئة عن التطور التقني مثل: الوحدة والانعزال، والكآبة وتفكك العلاقات الأسرية والاجتماعية، والآلام النفسية، وخسائر إنسانية أخرى كثيرة، لا تظهر إلا على المدى البعيد، لأدركنا أن التطور التكنولوجي ليس كله مكاسب، بل قد يكون فيه الهلاك، إذا لم يُتدارك الأمر بسرعة للحفاظ على الإنسان والكون. ولذلك فإن التقدم أصبح سيرًا نحو المجهول، الهدف هو السير بذاته، والغاية ليست محددة.

إن هذه الصورة السلبية هي طبعًا ليست كل الحقيقة، لكنها جزء منها، وهي الجانب المظلم من الصورة الذي لا يجوز إهماله؛ أما النظرة الخاشعة إلى العلوم المادية هي نظرة قارونية.

بعض أسس النظرة الكلية في مجال العلوم المادية

  • الإنجازات العلمية في أصلها مفخرة للبشرية، ودلالة على رقي الإنسان العقلي، وتفوقه على غيره من المخلوقات، وأي دعوة للزهد في العلم هي دعوة جاهلية.
  • لا تعاني البشرية في زماننا من مشكلة علمية، ولكن مشكلتها هي إنسانية بشكل عام، وأخلاقية بشكل خاص.
  • العلم لا يشكل  نموذجًا تفسيريًّا كليًّا ومطلقًا لكل جوانب الحياة، إنما مجاله المادة والمحسوسات، ولا علاقة له بتوليد الأخلاق والقيم، لكن يجب أن يُحكم بهما.
  • التقدم العلمي دون أخلاق وقيم إنسانية هو سير نحو المجهول، وقد يكون فيه السقوط المحتّم في الشقاء والفناء، لذلك فإن ربط العلم بالأخلاق والثوابت الإنسانية ضرورة من ضرورات البقاء البشري، ووقاية من إهلاك النفس.
  • التقدم العلمي لا يصلح أن يكون منهجية كلية ومطلقة للحكم على مدى رقي شعب أو سعادته من عدمه، إذ إن هناك عدة عوامل إنسانية، لا يجوز أن تُهمل في هذا المجال.
  • العلم ليس دينًا، ولا يكشف الغيبيات، ويمكن استعماله سواء في الخير أو الشر، وشرفه مرتبطٌ بسمو الغاية من استعماله، وأشرف ما يوضع له:
    البحث في آثار الخالق، والتفكر في آيات عظمته.

وبناءً على ما سبق نقول إن العلم نور، والحرية زيته، والأخلاق سراجه، فلا يمكن أن يضيء إلا بتكامل هذه الأشياء مجتمعة، وأن تؤدي كل منها وظيفتها التي ينبغي لها.

هذه محاولة مستعجلة لتطبيق بعض خطوات المنهجية المقترحة، ولرسم صورة كلية أولية بحاجة للإضافة والتعديل عن موضوع العلوم التجريبية، وإن كانت بعيدة عن الإحكام والكمال، فهي مقترحات لما يمكن أن يُؤَسَس عليه في بناء الخطاب المنشود في هذا المجال.

يتبع…

هذا المقال يعبر عن رأي كاتبه ولا يعبر بالضرورة عن ساسة بوست

عرض التعليقات
تحميل المزيد