تحت وطأة الحداثة

لقد دخل العالم الغربي بعد النهضة الأوروبية في طور الحداثة مستخدمًا كل أساليبها في محاولة السيطرة على مصيره وعلى محيطه، وقد انبنى الفكر الحداثي على نظرة فلسفية جديدة تجاه الإنسان والحياة، تبشر بالتميز الحضاري، وتمنّي النفس بالسعادة والاستقرار. ولكن العبور إلى هذا الطور جاء مخلّفًا جراحًا غائرة في المكوّن الإنساني الصافي، وأزمات اجتماعية وروحية خطيرة، جعلت المفكر الغربي يشكك بمكتسبات التطور والحداثة برمّتها (وكذلك الأمر بالنسبة لمرحلة ما بعد الحداثة)، ويدعو لحسبة تكلفة الخسائر الفادحة على المستوى الإنساني والروحي والبيئي، وبدأت تطرح تساؤلات عن جدوى النموذج الجديد، وتُثار الشكوك والمخاوف حول مصيره، وعن مدى سعادة الإنسان فيه.

وبما للحداثة من سحر وتأثير، وقدرة عالية على تصدير الأزمات، انتقلت إشكالياتها إلى العالمين العربي الإسلامي، ولكن بعامل تباطؤ زمني، فبعض الإشكاليات الرئيسية التي تعيشها المجتمعات الإسلامية اليوم عاشها الغرب قبل قرن أو قرنين من الزمن .وإن كانت الثقافة الغربية قد أفرزت توجهات فكرية وحركات فلسفية وثقافية عديدة كإجابات عن هذه التحديات، فإن البيئة الإسلامية الأصيلة بمجملها غير مستعدة بطبيعة الحال لتبني النموذج الغربي في الإجابة عن هذه الإشكاليات، وذلك للاختلاف الجوهري للمكوّنات الثقافية لدى الطرفين.

وعلى الرغم من التخلّف الحضاري الذي أصاب المسلمين، فإنهم لا يزالون كأفراد وجماعات يملكون رصيدًا أخلاقيًا وروحانيًا (على الرغم من اختلاله وتراجعه) يفضل عن مثيله في المجتمعات الصناعية الحديثة، وذلك هو بالضبط ما يجعل مقاومة الجسد الإسلامي لفيروسات العلمنة والحداثة على أشده، وإن الحمّى الناتجة عن عمل جهاز المناعة الأخلاقي لتجد أثرها في ظواهر فكرية واجتماعية وسلوكية عدة أصبحت تتزايد حدتها في السنوات الأخيرة مثل: التمرد على تعاليم الدين، ونقد مصادر الإسلام التشريعية الثابتة، الإلحاد، الانحدار الأخلاقي، الانفصال عن الهوية الدينية والتاريخية…
وهذه الأمور أول ما بدأت تظهر في جيل الشباب في أيامنا، وهذا غير مستغرب، وذلك لما عندهم من روح التمرد والثورية، وحب المغامرة والاستكشاف، والرغبة في الجديد الغريب، بالإضافة إلى رفضهم لحال الذل والهزيمة، ومحاولة إيجاد المشكلة والحلول لها. كما دفعت مظاهر نجاح الحضارة الغربية وتطورها قطاعات كبيرة من الشباب المسلم إلى محاكاة الحياة الحديثة ومحاولة تقليدها.

الإشكالية

ولقد شعر بعض المصلحين وعلماء الشريعة أن تبني النموذج الحداثي كمنهج حياة أمر في غاية الخطورة، إذ رأوا ذلك مرتبط عادة بانحرافات عقائدية، وانحطاط أخلاقي كان لا بد لهم من التصدي له، ومحاولة توعية الشباب بخطورة هذا المسلك، ولكن الخطاب الديني المستعمل لم يؤثر في جمهور الشباب، ولم يلتفت إليه قليل منهم، إذ كان غريبًا عنهم، ولم يكن يتسق مع خلفياتهم التصورية والأنساق التفكيرية الكامنة فيهم.
والمشكلة هنا هي محاولة اختزال هذه الظواهر ذات الخلفيات والأبعاد الفكرية والفلسفية المتعددة والمركبة إلى مسائل فقية جزئية، فتحولت المسألة من قضايا معرفية منهجية تتصل بالنظام الكلي للإسلام إلى قضايا عملية بسيطة؛ حلال وحرام، افعل ولا تفعل. ولكن في عالم الحداثة لا تسليم للدين باعتباره منهجًا كلّيًا، وفلسفة حياة. لذلك فحكم التحليل أو التحريم ليس له قيمة عند هؤلاء، إذ هم لا يرون في الدين محل الشرعية لترتيب حياتهم، ووضع الضوابط لها وفقًا لتعاليمه وفلسفته؛ ولذا فليس من المستغرب إذًا أن تبقى المياه راكدة، ما دامت لا تُستعمل الأدوات التي تصلح لتحريكها.


طبيعة الخطاب

ويجب أن ندرك أن هؤلاء الشباب نوعان: إما راسخ الإيمان أو مشوش العقيدة، والنوع الأول عادة ما ينفع معه خطاب الحلال والحرام، لكن الثاني يحتاج إلى خطاب أكثر تركيبية وشمولًا وعمقًا، وبيان سماته المعرفية فيما سيأتي.
ولا نتكلم هنا عن صفات الخطاب الأدبية التي لا بد أن تتوافر مثل: التواضع، وعدم الاستعلاء على المخاطَب، ومحاولة تفهمه وإيجاد الأعذار له وغيرها، ولكن الأهم من ذلك هو طبيعة الخطاب المعرفية، وأركانه المنهجية، وتوضيحها فيما يلي:

أولاً: إدراك النظام الفكري المهيمن

إن الظواهر الاجتماعية والأعراف والأحداث السياسية والحركة الاقتصادية والفنون الشعبية في مجتمع ما لا تنشأ عادة من فراغ، بل ترجع غالبًا إلى فكرة جوهرية ما، ويوجد خلفها نظام معرفي حاكم ونموذج فلسفي محرك، يتفاعل مع المجالات المختلفة، يؤثر فيها وتؤثر فيه، ويساهم في وضع الخطوط الحمراء، ويتعلق مستقبل المجتمع بمدى واقعية هذا النموذج وقيميته ومرونته. ولن يستطيع الدارس أو المصلح الاجتماعي فهم المجتمع، والتأثير فيه إلا بعد اكتشاف النظام الخفي، ليستطيع بذلك تفسير الظواهر والأحداث والمتغيرات، بل والتنبؤ بمصير الجماعة البشرية ووجهتها المقبلة.

حتى أن بعض الشواهد اليومية التي تبدو بسيطة، وتمر على عامة الناس مرور الكرام يمكن تفسيرها بهذه النماذج، وتعطي دلالات واضحة أحيانًا على القدرة التفسيرية للنموذج أو ضعفه. خذ على سبيل المثال مسألة تقييم السلع أو الفنادق على شبكة الإنترنت على منصات مثل أمازون أو بوكينغ، فستجد فرقًا هائلًا بين نوعية التقييمات التي تأتي من العالم الحديث من جهة، وبين التقييمات التي تأتي من باقي الدول من جهة أخرى، إذ تجد تقييمات الفريق الأول مطوّلة ومفصّلة ودقيقة إلى حد بعيد، بينما يكتفي الفريق الآخر بأن يعطي انطباعًا عامًا إن أعجبه المنتج أو الفندق أم لا. وإذا أردنا أن نفسر ذلك حسب النموذج المادي المسيطر في العالم الحديث يمكن أن نفسر هذا بالطبيعة الاستهلاكية للإنسان الحداثي، الذي يرى متعته وسعادته من خلال الاستهلاك، فشغفه وتلهفه للسلعة الجديدة تدفعه أن يفصّل في التعبير عن رأيه بهذا المنتج، مثل ما يفعل الأطفال عند حصولهم على الهدايا، بالإضافة إلى أنه خبير في معاينة المشتريات الجديدة وتفحصها، وكشف مكامن الجودة أو الضعف فيها، فهو بحكم تكرار التجربة متمرس في ذلك، ولذلك تأتي تقييماته على هذا النحو من الدقة والاحترافية، والفرح أو الحزن؛ بينما قد يكون لدى الطرف الثاني هموم إنسانية تستحوذ على انشغاله وتفكيره.

والنظرة التحليلية هذه هي أساس فهم الواقع، ولا تحصل عن طريق جمع المعلومات وتكديسها، ولكن لا بد من ربط بعضها ببعض، ثم تطوير النموذج التفسيري، فننتقل بذلك من المعلومات إلى العلم، ومن الحقائق إلى الحقيقة، ومن الوقائع إلى الواقع، حسب عبارات الدكتور عبد الوهاب المسيري رحمه الله، الذي أتقن هذا الفن، بحيث صار إنتاجه الفكري بضاعة عزّ أن تجد نظيرها.

والجدير بالذكر أن هذا النظام الخفي قد يختلف في تعيينه وإدراك حقيقته الخبراء والباحثون جملة وتفصيلًا. فمنهم من يرى مثلا أن الحضارة الغربية الحديثة ما زالت قائمة على أساس المسيحية، ونظرتها للعالم الخارجي ترتكز على هذا المنظور العقائدي الديني، ويستدل على ذلك ببعض التصريحات التاريخية ذات الدلالة مثل تصريح الجنرال اللنبي عند دخول القدس عام 1917: «الآن انتهت الحروب الصيلبية»؛ أو تصريح بوش الابن المشابه في فترة غزو العراق، وغيرها الكثير من الإشارات التي تصب في نفس السياق. والبعض الآخر يرى أن الدين أصبح يقتصر على مجال الحياة الخاصة لدى بعض الأفراد المحافظين فحسب، ولا يدخل بأي حال في الحياة العامة والإقتصاد والسياسة … وهؤلاء أيضًا لديهم الكثير من الدلائل والإشارات التي يقدمونها لدعم نظريتهم. وهذا يدل على مدى دقة الموضوع، ويلفت إلى الجهد الكبير المطلوب لسبر الأغوار، والوصول الى الحقيقة.

ثانيًا: دراسة الحضارة الغربية

كما أن على المصلح المتصدي للمشكلات الناتجة عن الحداثة، بالإضافة إلى ضرورة إلمامه بتراثه وواقعه، أن يكون ملمًّا أيضًا بكل من الفكر والفلسفة الغربية الحديثة، عارفًا بتاريخ تطور الأفكار فيها، وذلك لكي يساعده ذلك على تفكيك الظواهر المختلفة الناشئة عنها، وفهمها وتحليلها، وإدراك مدى صوابها أو خطئها، ومتعلقاتها ومآلها، ومعرفة كيفية التعامل معها.
ولا مناص من دراسة الحضارة الغربية دراسة وافية وعميقة لكل من يشتغل بالفكر والإصلاح سواء في العالم الإسلامي أو الغربي، إذ أن الحداثة اللتي انتشرت بسرعة كبيرة في شتى بقاع الأرض تمتزج أفكارها وإشكاليتها بالثقافات المختلفة شاء المرء أم أبى؛ وإن غاب الوعي قد ينتج عن ذلك تفاعلات تكوّن مستحضرات معلولة غير مرغوبة العواقب.
وفي رأيي لم يعرف الإنسان حضارة أكثر جاذبية لدى الشعوب الأخرى، وقدرة على التأثير، كالحضارة الغربية، وذلك لبساطتها، ولمركزية المتعة فيها، بالإضافة إلى ما تملكه من وسائل الاتتشار والإبهار في شتى المجالات.

ثالثًا: فهم طبيعة المخاطب

إن معرفة المخاطب، وطبيعته النفسية، ومفتاح الوصول إلى عقله وقلبه أمور لا بد منها، وإلا انهار التواصل المنشود منذ اللحظة الأولى. والشباب الذي نتكلم عنه مثقف، محب للعلوم، مبهور بالتطور التكنولوجي، يعشق الحرية، ويكره القيود، ويقدر العملية والواقعية وسعة الأفق، كما أنه لا يستسيغ العقلية الخطابية، وطريقة البكاء على الأطلال. هؤلاء يبحثون عن نموذج يتسق مع الحياة الجديدة، بسرعتها وحريتها ومتعتها …
إن التحول التكنولوجي المفاجئ أوقع هؤلاء الشباب في فراغ هائل ناتج عن فجوة ضخمة بين الواقع الوافد شديد التطور والبساطة من جهة، والتراث القيمي شديد المثالية والتركيب (في نظرهم) من جهة أخرى. لقد نشأت لدينا صورة مشوهة، نصفها رسمت بالخط العربي، والنصف الآخر بالفن التشكيلي!

يتبع…

 

هذا المقال يعبر عن رأي كاتبه ولا يعبر بالضرورة عن ساسة بوست

عرض التعليقات
تحميل المزيد