أثناء مشاهدتي للدكتورة نوال السّعداوي في مقطعٍ قصيرٍ انتشر مؤخرًا في أدوات التّواصل الاجتماعي؛ بثّ على قناة «فرانس 24»، وهي تتحدث عن العلمانية، في آخر لقاءٍ لها كما قالت، اعتبرت نفسها أحد الذين دفعوا الثمن بسبب العلمانية؛ لأنها كانت تريد أن تفصل الآلهة عن الدولة والحياة، لكنها لم تفلح؛ لأنّ الدولة والدين لا يمكن أن يتمّ الفصل بينهما. كما قررت في حديثها الأخير.

أعادني هذا المقطع وذكرني بكتاباتها، لاسيما كتابها «مذكرات طفلة»، والذي التصقتْ بعض كلماته في ذهني منذ فترةٍ طويلة، والكتاب مذكرات لطيفة كتبتها سعاد عندما كانت تدرس في المرحلة الثّانوية.

وقصة تأليفه هي أنه عندما طُلب منها أن تكتب ثلاث صفحات لحصة الإنشاء، فاختارت أن تكتب موضوعًا بعنوان: «مذكرات طفلة اسمها سعاد»، عكفت على كتابتها أسبوعًا كاملًا، وملأت كراسةً كاملة، وعندما تقدّمتْ بها، رفضها المدرّس، وأعطاها صفرًا، وطلب منها أن تحضر له موضوعًا آخر من ثلاث صفحاتٍ فقط!

تقول عن أثر هذا «الصّفر» الذي دمغها به معلم اللغة العربية في مقتبل انفتاحها على الحياة: «ربما هذا الصّفر الذي جعلني أتوقف عن الكتابة سنين طويلة، وهو الذي جعلني أدخل كلية الطب بدلًا من كلية الآداب». وبعد مضي أربعة عقودٍ من الزّمن، عثرت على هذه الكراسات، فأعادت قراءتها، دهشت، وركبتها الحيرة والذهول؛ كيف تمكنت من كتابتها في ذلك الوقت المبكر من الحياة، وكيف أعطاها المدرس صفرًا؟

أحيانًا قد تبتلى بمعلمٍ عاجز، يرى كل تفوق في تلميذه منقصة في حقّه، وكل بادرة تتسم بالجدة والإبداع، تقابل بالبرود والرفض. لا لشيء؛ إلا لحاجةٍ في نفس معلمٍ يخشى من فضيحة التفوق، ولو كان طبيعيًّا لرأى الأمر يدعو إلى الفخر، أكثر مما يدعو إلى الحرمان والكبت والتثبيط!

«مذكرات طفلة» يفوق سن طالبة في مطلع الثانوية، ومن قرأ فيه أدرك ذلك، ولما كان الكتاب ابن زمنه، كتبت السعداوي مذكراتٍ أخرى، توثيقًا لحركة حياتها وفكرها، فكتبت «مذكرات طبيبة»، ثم كتبت مذاكرتها في السجن، بعنوان: «مذكراتي في سجن النّساء». وهذا الأخير لغته عالية، وينمّ عن تطور كتابي مدهش بخلاف كتابها الأول، بحكم تقدم العمر ونضوج القدرات الكتابية، وكل هذا أمر بديهي لدى القارئ، لكن الشيء الذي استمرّ كما هو في كتابات السعداوي؛ أفكارها حول المرأة ومعاركها مع المجتمع الذكوري، ومفهومها للجنس، ونظرتها إلى الحياة، والأديان.

يهمني في هذا السياق؛ التركيز على بعض الأمور:

أولًا: أن ندرك أنّ للكلمة أثرًا عظيمًا في توجه حياة الإنسان، فقد تسلك مسلكًا في حياتك كان بسبب كلمةٍ قيلت لك في لحظةٍ ما، ولهذا؛ يتوجب أن يتريث القائمون على محاضن التربية والوعي لكلمات التشجيع والتثبيط، فربّ كلمة صنعت شيئًا من لا شيء. ولا تخلو حياة واحدٍ منا من مواقف ما تزال عالقة في جبين الذّكرى!

الأمر الثاني: أنّ التطور الذي يلازم الكاتب أو المفكر، لا بد أن يكون على جميع الأصعدة، سواء الجانب الفني مثل الكتابة والقدرات الكتابية، أو جانب المضمون. وتطور الأفكار ونضوجها، والذي يلاحظ أنّ السعداوي لم تتخلص من أفكارها، وإنما كانت باستمرارٍ تعززها، وكل كتاب أو رواية تدعم الأخرى!

ويبقى التساؤل حول حديثها الأخير عن «العلمانية»، في الفيديو المشار إليه، وما استقر عليه رأيها، ونستطيع أن نخلص من حديثها إلى الآتي:

– أن العلمانية ببساطة هي «فصل الدين عن الدولة»، بعيدًا عن التعريفات الأكاديمية، فلا علاقة للسياسة والزواج والميراث والاقتصاد بالدّين، ولا التقاء بين قبة برلمان وباحة جامع، هكذا ببساطة بعيدًا عن التعقيد، والتخويف من مفهوم العلمانية. هكذا تقرر في حديثها!

– الشيء الآخر الذي لفتني في حديثها؛ قولها: «في التاريخ، العلمانية «وهْمٌ» تستخدمها أغلب النّظم السياسية لإيهام النّاس». والسبب في ذلك – من وجهة نظرها – أنه لا يمكن أن يتحقّق فصل الدين عن الدولة، وأن الدين والدولة يدعم بعضهما بعضًا. لا سيما وأنّ قوانين الدولة مستمدةٌ من الدين. وعلى إثر ذلك؛ بينت أنها دفعت ثمن مناداتها بالعلمانية للفصل بين الآلهة والدولة!

الذي يتضح أنّ ثمة تغير طفيف جدًّا في فكر المرأة التي أوشكت على دخول عقدها التاسع، من خلال اعترافها بكلّ صراحة «بصعوبة تحقّق الفصل بين الدين والدولة» مع رغبتها في ذلك، وأن الأنظمة تستخدم هذا المصطلح من أجل الوهم لا أقل ولا أكثر. وهو ما كانت تتنكر له في معاركها السابقة!

ويبقى السؤال مطروحًا: هل هي ذاتها تغيرت نظرتها إلى العلمانية وتصوراتها عن الدّين؟

أستطيع القول: إن من خلال كتبها، وحديثها الأخير؛ يتضح بجلاء أنها لم تتغير عن أفكارها، بقدر ما تشعر بالحسرة على عدم نجاح النموذج العلماني، الذي كانت جنديًّا مخلصًا في معاركه المتعددة، وذلك عندما تحقّق لها أنّ الفصل بين الدين والدولة، أو الآلهة والحياة – كما تقول– صعب التحقّق.

وهذا يدفعنا إلى الاستفادة من هذه التجربة التي خاضتها واحدة من أشرس المحاربين في مضمار الأفكار، فيما يتعلق بالدين والعلمانية. والنتيجة النهائية التي وصلت إليها تسهم في خلق قواسم مشتركة؛ تساعد في تخفيف حدة الخطاب بين التوجهات المختلفة، وردم أفكار ظنّ بعضهم وما زال أنه سيصل إليها من خلال الحيلولة بين التقاء الدّين والدولة؛ وهي النتيجة التي اعترفت بصعوبتها؛ رغم أنها أمضت عمرها في السّعي وراء تحقيقها.

ولما كانت فكرة الفصل هذه غير واردة في التركيبة الإسلامية؛ فلماذا يمضي كثيرٌ من المفكرين في اجترار المعارك حول ثنائية الدين والدولة، والحياة والآخرة، فهل هو العجز عن استيعاب عناق الديني والمدني في النّص الإسلامي واندماجهما في التجربة التأسيسية الإسلامية؟!

والعجب أنه ما يزال هناك مفكرون عرب في القرن الواحد والعشرين عاجزين عن إدراك طبيعة الإسلام المركّبة من الديني والمدني، وقد أدرك ذلك مفكرون غربيون منذ القرن الثامن عشر والتاسع عشر، منهم جان جاك روسو، وغوستاف لوبون.

وقد أعجبني ما ذكره لوبون، حينما تساءل باستغراب: «كيف لا يبقى الإسلام دين الدولة في بلاد اتّحد فيها الشرع المدني والشرع الديني، وقام فيها المبدأ الوطني على الإيمان بالقرآن؟ يصعب هدم ذلك».

وربما كان علي عزت بيجوفيتش من أبلغ من عبّروا عن هذا التركيب الإسلامي البديع، إذ كتب يقول: «الإسلام نسخة من الإنسان. ففي الإسلام تمامًا ما في الإنسان: فيه تلك الومضة الإلهية، وفيه تعاليم عن الواقع والظلال». وفي موطن آخر يقول: «إن المجتمع العاجز عن التّديّن، هو مجتمعٌ عاجزٌ عن الثورة»، في درايةٍ منه لخطورة تحييد الدين في حياة المجتمعات حتى لا تكون بعد ذلك مجتمعاتٍ خاملةً عاجزةً عن التغيير والتطوير، وحتّي لا تموت عندها الفكرة المحفّزة والتي ربّما عناها هو بمصطلح الثورة.

على كل المحاربين في ساحة الفكر، من يراهنون على الظفر بمعارك الهوية، والاستقلال بمفهومهم اللحظي؛ أي استقلال الحياة عن الدّين؛ يجب أن يدركوا أننا لا حاجة لنا بدينٍ لا يقرأ السياسة ولا بسياسةٍ لا تعتنق الإسلام!

هذا المقال يعبر عن رأي كاتبه ولا يعبر بالضرورة عن ساسة بوست

عرض التعليقات
تحميل المزيد