بعيدًا عن العواطف التي تقود معظم تصرفاتنا، وبعيدًا عن الخطاب الإعلامي الذي أصبح لا يختلف كثيرًا عن الفعل السياسي عند معظم قادة الرأي والمسؤولين، نبحث في هذا المقال عن الأسباب التي تؤدي إلى تكبير الكيان الصهيوني وجعله كالعملاق الذي لا يقهر، هذه الأسباب ربما تكون مجتمعة في تفكير البعض أو متفرقة عن الآخرين، لكننا سنركز على ذكر هذه الأسباب التي تؤثر ذهنيًّا علينا.

 

  1. العقدة عند الجيل القديم

السبب الأول هي تلك العقدة التي عاشها الجيل الأول، الجيل الذي عاش النكبة والنكسة وحتى الجيل الذي ولد في تلك الفترة جيل الآباء والأجداد جيل القيادات القديمة، كل هؤلاء يعيشون عقدة لا نستطيع إنكارها، عقدة قوة الكيان الصهيوني التي لا تقهر وخيانة القيادات، العقدة التي تسببت بفعل الهزائم والخسائر التي لحقت بأمتنا في تلك السنوات مما جعلها في حالة يأس وفقدان ﻷمل الانتصار. هذه الحالة قادتهم إلى حالة أخرى وهي حالة تبرير ما حدث من خلال قوة الخصم الذي لا يقهر وخيانات القادة وهنا تكمن العقدة المستعصية في الأذهان.

الملفت للنظر أن هذه العقدة بدأت بالتآكل في الأجيال الجديدة بعد أن شاهدت حروب غزة الثلاثة بعد أن صنعت وشاركت في الربيع العربي ولا شك أيضًا بفعل وجهد الحركات الاسلامية التوعوية في كل الأماكن والمجالات.

 

  1. السيطرة على العالم

السبب الثاني الذي باعتقادي يؤثر بشدة في أذهاننا هو أننا ما زال الكثيرون يعتقدون أن الكيان الصهيوني يسيطر على العالم ويتحكم فيه. للأسف الكثير يعتقد بهذه المغالطة العالمية الكبرى ويعتقدون أن هذا الكيان يستطيع تحريك أمريكا كما يشاء.

هذه المغالطة تعجب كثيرًا هذا الكيان بل يعدونها نقطة قوة يستثمرها الكيان الصهيوني بكافة الوسائل ويقوم بتعزيزها والتأكيد عليها حتى أنه وللأسف أن بعض السياسيين والمثقفين في بلادنا يدعمون تلك المغالطة ويصرون عليها ولا يدركون أنها مغالطة أو أنهم بذلك التأكيد يعززون قوة الكيان الصهيوني ويدعمونهه.

الحقيقة في هذه المغالطة أن أمريكا واسرائيل هما بمثابة رجل البيت (أمريكا) والزوجة (إسرائيل) أما البيت فهي منطقة الشرق الأوسط، يمتلك الرجل ذلك البيت بينما يترك إدارة البيت داخليا لزوجته، يشعر من يسكن ذلك البيت أن الزوجة هي المتحكمة حتى أن الزوجة أحيانا تصرح بذلك ويشعر البعض أن الزوجة بما تمتلكه من أدوات صنعتها داخل البيت – طبعا صنعتها بإشراف وصمت رجل البيت وحتى بدعم منه – أنها تدير ذلك البيت وقائدته الأولى والمسيطرة عليه.

لكن السؤال ماذا لو تخلى رجل البيت عن بيته ؟ ماذا لو امتنع من الصرف على سكان البيت؟ أليس غالبية سكان ذلك البيت يستحملون تلك الزوجة إرضاءً لرجل البيت وطمعًا بأمواله وخوفا من غضبه؟ من يجيب عن هذه الاسئلة يستطيع أن يفرق بين دولة عظمى مثل أمريكا وبين دولة وظيفية ذات طموحات تاريخية مثل إسرائيل.

 

  1. أصله يهودي او ابن يهودية

السبب الثالث ربما يبدو بسيطا أو غير مؤثر لكن بسبب انتشاره الكبير وجب التنبيه له والإشارة اليه وهو اتهام السيئيين أنهم من أصل يهودي أو كما يقولون ابن يهودية.

لذلك تكاد لا تخلو أي مصيبة يسببها شخص مسؤول في وطننا العربي أو مسؤول أجنبي إلا وقد جعلنا أصله يهوديًّا أو بررنا ما فعله بأنه ابن يهودية وكأن اليهود هم قادة الشر في هذه الارض وهم أيضا المتحكمون فيه، طبعا التبرير هذا يعد مخرجًا لتقييم أي شخصية سببت الضرر بالأمة من قريب أو بعيد، دون النظر إلى أن هناك عوامل حقيقية أدت لتلك المصائب مثل الطبيعة البشرية المستغلة والأنانية والمصلحجية والتي تكاد تكون سبب غالبية ما نحن فيه وبعيدًا أيضًا عن الاعتراف بالأخطاء التي تسببنا بها.

يكفي فقط لتبرير تلك المصيبة أن تقول أن أصل الفاعل يهودي وهذا يعطي لمجتمعنا راحة سحرية وطمأنينة عامة بان الأمور على ما يرام لولا اليهود وأبناؤهم.

 

  1. انتصارات تتوج بهزائم

السبب الرابع هو سبب دقيق جدا ولا يلحظه إلا المتابعون المدركون للأحداث والذين يستطيعون تحليلها بشكل واقعي وبدون عواطف وأحلام يقظة يسقط فيها الكثيرون.

السبب يكمن في التأمل في الانتصارات التي حققناها على الكيان الصهيوني، وقتها سندرك تماما بان غالبية تلك الانتصارات كانت تتبعها انهزامات سياسية وقرارت مخيبة للآمال.

بالتأكيد لا نقلل من أهمية أي انتصار عسكري على ذلك الكيان حيث تظهر من خلال ذلك الانتصار نقاط ضعف الكيان وتبدي لنا حقيقة العملاق الوهمي وترفع من معنوياتنا وعزيمتنا. لكن لا بد من الإشارة أننا لم نستثمر تلك الانتصارات سياسيا بالشكل المطلوب بل كانت هناك هزائم سياسية إن صح التعبير بعد أي انتصار.

لا بد أيضا من إدراك أهمية الترابط بين المسارين العسكري والسياسي وأنهما مكملان لبعضهما حيث من الصعب أن نفصلهما عن بعضهما على أمل أن يدرك ذلك كل من يلوم فصائل المقاومة أنها بدأت تهتم بالمسار السياسي بل إن البعض للأسف وبسبب قصر النظر يتهمها بخيانة القضية وانحراف التوجهات.

كل تلك الاتهامات بسبب حرص المقاومة على العمل في المعترك السياسي دون التوقف عن العمل العسكري والعمل المقاوم. فالحرب تسبقها أحداث سياسية وتتبعها أحداث سياسية والمنتصر الحقيقي لا من ينتصر فقط في الحرب بل من يستثمر ذلك الانتصار بتحقيق أهداف سياسية تصب في مصلحته ومصلحة قضيته.

لتوضيح هذا السبب وأثره أقول إن الذي يفشل في استثمار العملية السياسية بعد أي حرب هو تماما مثل الذي يقوم بتأدية الصلاة على أكمل وجه من الأركان والهيئات وبدرجة عالية من الخشوع ثم يتبع تلك الصلاة بتعامل سيء مع الناس وسوء إدارة لحياته وأخلاق سيئة عندها تتساءل ما فائدة تلك الصلاة التي يصليها بامتياز، حتى إنك تتمنى أحيانا للأسف لو أنه لم يصلّ.

 

  1. الفعل المنتظر

السبب الخامس هو سبب جوهري وعملي لا بد من كل راغب في دعم القضية الفلسطينية من إدراكه وهو أننا نشعر في كثير من الأحيان أننا ننتظر قدوم وقت التحرير الذي سيأتي بدون موعد ولا استعداد، وكأن تحرير الأرض يأتي فجأة لا بالتحضير والاستعداد والتخطيط.

السبب الذي أود الإشارة إليه هو أننا تعودنا للأسف على ردات الفعل في التعامل مع أحداث القضية الفلسطينة حتى أننا أصبحنا ننتظر بحماس حصول أي فعل لنقوم بردة فعل مناسبة وقوية صارخة. والمؤسف أيضًا أن هذا الأمر يتكاثر حتى عند القادة والسياسيين فهم محترفون في تحليل الفعل وتوضيح كيفية التعامل معه، لكن السياسيين الذين يصنعون الفعل يكادون يكونون عملة نادرة أو منقرضة في بلادنا للأسف.

على جميع القادة والسياسيين أن يدركوا أن التحرير لن يأتي ما لم نصنع من أجله أفعالًا تؤدي إلى التحرير، لن يأتي ما لم نقم باستشراف المستقبل ومحاولة صناعته والتغيير فيه، لا يمكن أبدًا أن ننتظر التحرير المفاجئ ونستعد له إن حصل، يجب أن تدرك عقولنا أن صناعة التحرير هو واجبنا الحقيقي ومسؤليتنا أمام الله عز وجل وأمام الأجيال القادمة، وكما يقول الرنتيسي رحمه الله: إن لم نكن نحن جيل النصر فنحن الجسور وجيل النصر يعبرنا.

في ختام هذا المقال وبعض استعراضنا لتلك الاسباب التي جعلت من الكيان الصهيوني عملاقا يصعب زواله في أذهاننا، وحتى لا ننظر إلى المقال بأنه سلبي وانتقادي رغم إيماني الكامل أن الإشارة إلى تلك الأسباب هو من باب التوعية وهو أمر إيجابي جدًّا.

أحببت أن أشير إلى أن تحرير فلسطين عبارة عن تجميع للوحة فيسفساء مكونة من قطع عدة يتوجب علينا جمعها على المستويين الفردي والجماعي لتشكيل تلك اللوحة. فالدعاء قطعة من تلك اللوحة والفهم قطعة أخرى وهناك قطع مهمة أيضا مثل التوعية والإنفاق وصناعة القادة والأجيال والإحسان في العمل وتوخي الدقة في الكلام السياسي وبذل الجهد في الدفاع والمدافعة وتوحيد الصف، كل تلك الأمور ربما سنفصّلها في مقالات لاحقة إن شاء الله إلا أنها قطعٌ أساسية في لوحة تحرير فلسطين والأقصى وهي باعتقادي غاية كل مسلم على هذه الأرض.

هذا المقال يعبر عن رأي كاتبه ولا يعبر بالضرورة عن ساسة بوست

المصادر

عرض التعليقات
تحميل المزيد