دقات الساعة تشير إلى منتصف الليل يوم الاثنين 24 يناير 2010 ليلة يوم الغضب المرتقب ، والأنفاس محبوسة والأعصاب تكاد تحترق من شدة التوتر، فلم يتبق على المظاهرات المرتقبة سوى ساعات معدودة، طال انتظار ثورة تعيد للمصريين كرامتهم و آدميتهم.
فى ساعة متأخرة من ليلة 25 يناير، نشر عقيد الشرطة السابق المعارض لنظام مبارك والهارب خارج البلاد عمر عفيفى مقطع فيديو يشرح فيه أساليب التحايل على قوات الأمن المركزى والتغلب عليها من منطلق كونه ضابط شرطة سابق وخبيرا بأساليب قوات الأمن المركزى فى التظاهرات، وشدد على أخذ كافة الاحتياطات بما يضمن للمتظاهرين البقاء أطول فترة ممكنة فى الشوارع
مع بزوخ أول ضوء لفجر اليوم الذى سيعيد تغيير وجه مصر إلى الأبد.

 

 

كان ميدان التحرير مكتظاً عن آخره برجال الشرطة من ذوى الرتب العالية، يملأون الميدان بكثافة غير مسبوقة، بالإضافة إلى العشرات من سيارات القنوات الاخبارية المعدة للبث المباشر، والمشهد العام بأكلمه يؤكد أن الأمر سيكون مختلفاً هذة المرة ، والشوارع التى تبدو هادئة فى هذا الصباح الباكر يسودها الترقب الحذر .

 
دقائق قليلة وبدأ المتظاهرون فى التوافد على المناطق المتفق عليها للتجمع فى القاهرة الكبرى، بدأت ثلاث مسيرات فى المنيرة وكوبرى الجامعة ومجرى العيون وتحركت إلى شارع القصر العيني كما بدأت المظاهرت فى شبرا فى نفس التوقيت، فى العاشرة والنصف بدأت مسيرة حاشدة من ميدان باب الشعرية يتقدمها د.أيمن نور، ونحو خمسة آلاف مواطن يحتشدون فى منطقتى ناهيا وإمبابة بمحافظة الجيزة ، وتجمع عدة مئات فى شارع جامعة الدول العربية تحاصرهم قوات الأمن، بينما تجمعت مجموعة أخرى من المتظاهرين أمام مقر نقابة المحامين، وبدأت تحث المواطنين على الانضمام إليهم، وفى نفس الوقت فى الإسكندرية تجمع ما يزيد عن ثلاثين ألف شخص فى منطقة جامع القائد إبراهيم الذى يعد من أكبر مساجد الإسكندرية.

 

 

وفى الثانية عشر ظهراً وفى السويس بدأت المظاهرات بعشرات من المتظاهرين يحملون اللافتات و يدعون الناس للمشاركة، وفى المحلة الكبرى التى يعمل بها ما يزيد عن مليون عامل بدأت المظاهرات فى جميع ميادينها، وخرج العمال الذين تم منحهم إجازة اجبارية بمناسبة عيد الشرطة، وخرجت المظاهرات والتجمعات من مناطق شعبية فى تكتيك جديد لم تتوقعه قوات الأمن، كان العقيد عمر عفيفي قد نصح باستخدامه فى رسائله المسجلة، هذا التكتيك يعتمد على تجمع المواطنين داخل الحواري وأزقة المناطق الشعبية والتى من الصعب على قوات الأمن اقتحامها، و الخروج من الأحياء الشعبية ككتلة واحدة يصعب على الأمن تفريقها ، ثم الهتاف الموحد المنصب على احتياجات المواطن البسيط منعاً للفرقة مما جعل التعاطف الشعبى قوياً.

 

 

وبحلول الظهر وصلت عدة مسيرات إلى المقر الرئيس للحزب الوطنى الحاكم فى ميدان عبد المنعم رياض منددة بسياسته ، وأخرى إلى مقر اتحاد الإذاعة والتليفزيون المحاط بتعزيزات أمنية غير عادية، وأخرى أمام دار القضاء العالى، وفى شارع القصر العينى وعلى سلم نقابة الأطباء أمام دار الحكمة تجمع أطياف من مشاهير المعارضة المصرية، الشاعر عبد الرحمن يوسف منسق حركة دعم البرادعى السابق ، و المخرج عمرو سلامة ، و د.عبد المنعم أبو الفتوح القيادي الإخواني، و د.أحمد دراج ، والكاتب المعارض بلال فضل ، و د.محمد أبو الغار، ووائل غنيم مؤسس صفحة “كلنا خالد سعيد” الذى لم يكن معروفاً فى هذا الوقت.

 

 

ومن على هذا السلم انطلق الهتاف الأشهر الذى أصبح فيما بعد شعار الثورة المصرية “عيش .. حرية .. كرامة انسانية” يصدح عالياً بين المتظاهرين، وتعالت صيحات بلال فضل “كفاااية ..كفااية” هادرة تلهب حماس المتظاهرين.

 
فى الثانية إلا الثلث ظهراً وصلت أول المسيرات لميدان التحرير، كانت مسيرة شارع جامعة الدول العربية، ونتيجة لكثرة الحشد نجحت المسيرة فى كسر الحصار المفروض على الميدان، وفر جنود الأمن المركزى هاربين أمام الحشود لأول مرة منذ تولى العادلى منصبه على رأس سلخانة الداخلية.

 

 

وانطلقت الهتافات تدعو إلى التمركز والاحتشاد فى قلب الميدان، حصار آخر قد كسر قرب كوبرى الجلاء واتجه المتظاهرون صوب التحرير، فى نفس الوقت هرعت قوات الأمن إلى إغلاق مدخل كوبرى 6 اكتوبر ليقطع الطريق على المتظاهرين الذين باغتوا الأمن بالسير إلى شارع التحرير، هناك انكسر حاجز الخوف مرة أخرى وخرجت الهتافات هادرة “يسقط يسقط حسنى مبارك .. الشعب يريد إسقاط النظام”.

 

 

وفرت الدموع غزيرة من أعين الكثيرين الذين لم يتصورا أنه يمكن أن تأتى لحظة يشعر فيها الإنسان بكرامته مثل تلك اللحظة التى يحيونها، و بدا واضحاً أن المتظاهرون يتدفقون من كل صوب على مداخل ميدان التحرير بدون ترتيب ولا اتفاق مسبق، فلم يعد أمام قوات الأمن المركزى إلا إغلاق جميع مداخل التحرير لمنع المتظاهرين من الوصول إلى قلب الميدان،
وبحلول الثالثة عصراً أصبح المشهد مهيباً.

 

 

قلب الميدان صار محاطا بكتل غير عادية من جنود الأمن المركزى، يحيطون بالميدان إحاطة السوار بالمعصم ، والمتظاهرون الذين تجاوز عددهم عشرات الآلاف فى جميع أطراف الميدان ينتظرون كسر الحصار، واستأسدت قوات الأمن عند ميدان عبد المنعم رياض، وفى لحظة فارقة ركض المتظاهرون جميعاً بكل قوة فى اتجاه قوات الأمن، فانكسر الكردون الأمنى بقوة تحت تأثير اندفاع المتظاهرين ، و تصاعد الموقف.

 

 

فالمتظاهرات التى اتسمت بالسلمية تتحول إلى تدافع بالأيدى واشتباكات عنيفة بين الأمن والمتظاهرين، مما ينبئ بردة فعل أعنف من قوات الأمن حيال المتظاهرين الذين ما أن وصلوا إلى قلب الميدان حتى جلسوا على الأرض منبئين بالاعتصام، واصطف المتظاهرون لأداء صلاة العصر، فى نفس الوقت، تحول ميدان العتبة إلى ساحة حرب، وبدأ إطلاق النار بكثافة من قبل الشرطة.

 

 

أما الأمن فقد تخلى عن ضبط النفس بعد أن تفاجأ رجاله بالأعداد الهائلة التى تنضم للمظاهرات، فبدأت الشرطة تهاجم المتظاهرين بالهروات وخراطيم المياه، مما دفع بأحد المتظاهرين إلى اعتلاء مدرعة الشرطة المتحركة، ودفع خرطوم المياه إلى الجهة العكسية بعيد عن المتظاهرين فى بطولة منقطعة النظير، فبدأ الأمن فى إلقاء القنابل المسيلة للدموع على المصلين، وبدأت الشرطة تتقدم نحو شارع القصر العينى مطلقة خراطيم المياه على المتظاهرين.

 

 

عنف الشرطة حيال المتظاهرين لم يرهب أحدا من الشباب الذى اندفع ناحية المدرعة بدلاً من أن يهرب بعيداً عنها وتوسطت يداه وسطه ولف رقبته بكوفيته وهو يقف بشجاعة منقطعة النظير أمام المدرعة فى منتصف الشارع قاطعاً الطريق عليها، بينما انطلق مدفع المياه إلى صدره ووجهه، لكنه صمد وأبى أن يتحرك من مكانه فى مشهد ألهب حماس الجميع، فتشجع البعض ووقف إلى جانبه، فى مشهد أقرب إلى مشهد “رجل المدرعة” الصينى الذى وقف فى وجه المدرعة فى ميدان “تيانانمن” الشهير فى الصين فى 5 يونيو 1989م.

 
فى الخامسة إلا ربع مساء قامت السلطات بقطع خدمات الهاتف المحمول وحجب موقعى facebook و twitter فى ميدان التحرير والمنطقة المحيطة به إضافة إلى بعض المناطق فى القاهرة، ووسط تلك الحرب الدائرة ، كان وائل غنيم قد فكر فى أهمية مواصلة الثورة الوليدة لتصبح كائنا عملاقا، حاول الدخول على الإنترنت دون فائدة، فاتصل بصديقه نجيب فى الإمارات، وطلب منه أن يكتب على الصفحة “إضراب عام غداً وبعد غد ومظاهرة كبرى الجمعة”.

 

 

كانت تلك أول دعوة لجمعة الغضب المرتقبة التى ستقلب الدنيا رأساً على عقب، أما عن الوضع داخل الميدان فقد قال الشاعر عبد الرحمن يوسف: “وصلنا ميدان التحرير فى نحو الخامسة، نظرت حولى فوجدت عدداً كبيراً من الناس لا أعرفهم، وأعطيت نقوداً لبعض الشباب وطلبت منهم شراء ميكروفون ومكبر صوت وهو ما قاموا به بالفعل، ثم سألنا هل يوجد بيننا كهربائى يستطيع مساعدتنا؟ تقدم إلينا على الفور مهندسا كهرباء” ، ثم بدأ عبد الرحمن يوسف حديثه فى مكبر الصوت “لقد بدأت ثورتنا، هنا إذاعة صوت الثورة”، ثم أعطى الكلمة للعديد من الشخصيات الموجودة. واستمرت الإذاعة الثورية لمدة ساعتين قبل أن تضطرهم مدافع المياه وقنابل المولوتوف إلى الفرار للشوارع المجاورة.

 
فى الاسكندرية كانت المظاهرات تحاصر كل شوارعها تقريباً، وتتمركز أمام مسجد القائد إبراهيم بدون ترتيب مسبق فى صورة غير متوقعة على الإطلاق، وقبل أن تغرب شمس الأسكندرية كانت الجماهير الغاضبة قد أطلقت مطلب الثورة الموحد “الشعب يريد إسقاط النظام” ، وقام المتظاهرون بتمزيق لافتات أعضاء الحزب الوطني المتبقية من الانتخابات البرلمانية السابقة، والتى يحمل معظمها صورة مبارك، وفقد الأمن صوابه وبدأ بإلقاء القنابل المسيلة للدموع بكثافة على المتظاهرين، و تحولت شوارع الإسكندرية إلى ساحة للقتال بين الأمن والمتظاهرين.

 

 

فى الوقت ذاته فى ميدان الأربعين بالسويس قرر المتظاهرون الذين وصل عددهم إلى الآلاف، التحرك بشكل سلمى إلى مبنى المحافظة، وهنا أعطى مدير الأمن تعليماته إلى قوات الأمن المركزي بعمل كردون حول مبنى المحافظة وإلقاء القنابل المسيلة بكثافة لتفريق المتظاهرين، و تكرر نفس المشهد بحذافيره فى جميع محافظات مصر خاصة فى المحلة الكبرى التى فرت الشرطة من أمام المتظاهرين، و عمت المظاهرات كل بر مصر من شرقها إلى غربها ومن شمالها إلى جنوبها.

 

 

أما نظرات جنود الأمن المركزى فقد كانت ترقب شيئاً مختلفاً هذه المرة، فالمتظاهرون ليسوا من الناشطين السياسين الذين اعتادوا رؤيتهم، إنما وجوه جديدة تشارك لأول مرة فى السياسة، وبدأت مواقع التواصل الاجتماعى تنقل مقاطع فيديو لمشاهد اعتقال المتظاهرين، وقبل غروب الشمس بلغ عدد المعتقلين ما يزيد عن مائة متظاهر، ومنعت القنوات الإخبارية من تغطية الأحداث وسط تعمد تحطيم كاميراتهم لمحو أية أخبار يمكن أن تؤجج الثورة فى باقى البلاد ، أما الإعلام الرسمى فلم يقدم إلا كل استهجان واستنكار موجهاً اللوم حسب نص الخبر إلى: “ما يسمى بحركتي السادس من أبريل وكفاية والجمعية الوطنية للتغيير” فى أسلوب يحقر منهما، متهماً المتظاهرين بأحداث شغب وتلفيات بمنشآت عامة وإصابة رجال الشرطة.

 

 

تجاوزت الساعة السابعة مساء والميادين تشتعل بحالات الكر والفر وحرب عصابات عنيفة بين الشرطة والمتظاهرين فى الإسكندرية والسويس وميدان التحرير، وسقط أول شهيد فى السويس: وهو “مصطفى رجب محمود”، و سرت أنباء غير مؤكدة عن سقوط متظاهرين آخرين ، ثم تجاوزت الساعة الثامنة مساء والجميع مرهقون متعبون، والسؤال الحائر يبحث عن إجابة: ماذا بعد؟

 
الإجابة كانت أقرب مما تصور الجميع! مع توافد أعداد غزيرة من المتظاهرين الذين قرروا الالتحام مع ذويهم فى الميدان فور معرفتهم أخبار المظاهرة وردود أفعالها القوية، وبسرعة شديدة وبدون الاتصال بأى من قوى المعارضة خارج الميدان ، بدأ المتظاهرون فى استطلاع آراء الجموع لمعرفة قابلية الناس للاعتصام من عدمه، و كان القرار حاسماً! بدء الاعتصام، فلا يمكن إضاعة تلك الفرصة وهذا العدد المهول بدون تحقيق نجاح، والشرطة تتراجع من الميدان لتؤمن وزارة الداخلية فقط، أما فى الأسكندرية فقد استطاعت قوات الشرطة إلقاء القبض على أعداد لا باس بها من المتظاهرين بعد تفريقهم فى الشوارع الجانبية بعد قطع النور عن المنطقة بأسرها.

 

 

وفى التاسعة مساء أطل على شاشة التليفزيون المصري مذيعو النظام تامر أمين و خيرى رمضان من خلال برنامج “مصر النهاردة” ليتهكما على أحداث اليوم ، فى نفس الوقت حملت قناة الحياة إطلالة أسامة سرايا بطل موقعة الأهرام التعبيرية، مطالباً الشرطة بالكف عن حماية المتظاهرين! ومحذراً المتظاهرين من محاولة استنساخ الثورة التونسية.

 
اقترب الليل من منتصفه والحالة العامة فى الميدان حالة من البهجة الشديدة بالرغم من برودة الطقس الموجعة فى مثل هذا الوقت من العام، ساعد على تناسيها ظهور بعض الرموز الثورية مثل الكاتب إبراهيم عيسى و غيره فى قلب الميدان ، و سرعان ما بدأ الشباب فى جمع الأموال لشراء بعض الأطعمة البسيطة، وبدأت ترتيبات المبيت والاعتصام، وبدأ الشباب فى ترديد الأغانى الثورية.

 

 

لم تمر دقائق حتى بدأت قوات الأمن التى أعادت تنظيم صفوفها فى الظهور مرة أخرى و العودة إلى مهاجمة المعتصميين فى محاولة لفض الاعتصام بالقوة و بأى تكلفة، مستخدمين كميات ضخمة من القنابل المسيلة للدموع والرصاص المطاطي، وبالفعل نجحت قوات الأمن فى تفريق المتظاهرين وفض الاعتصام وسط حالة من الإحباط أصابت الجميع.

 

يتبع الأسبوع القادم …

هذا المقال يعبر عن رأي كاتبه ولا يعبر بالضرورة عن ساسة بوست

المصادر

[1] كتاب الثورة V.2- وائل غنيم
[2] كتاب سقوط فرعون - روبير سوليه -  ترجمة دار الطنانى للنشر
[3] كتاب الجيش و الثورة - مصطفى بكرى
[4] يوميات تحت حكم العسكر..وقائع إنتهاكات و محاكمات المدنيين أمام المحاكم العسكرية بعد الثورة
[5] مركز هشام مبارك للقانون
[6] يوميات شعب ثائر تحت حكم العسكر - مركز النديم للعلاج و التأهيل النفسى و ضحايا العنف
[15] سلسلة الافلام الوثائقية : يوميات الثورة المصرية - انتاج قناة الجزيرة الوثائقية
عرض التعليقات
تحميل المزيد