صادقة للغاية تلك العبارة الخالدة، لعملاق المسرح المصري «يوسف بك وهبي» ما الدنيا إلّا مسرح كبير.

صحيح، مسرح كبير، يتسع لكافة البشر، كل له دور مرسوم، منهم من يؤديه بعناية فائقة ومنهم من يتحايل عليه وعلى باقي الممثلين على المسرح، بوهم دور كبير يؤديه أو عظيم وجليل عمل يسعى وراءه.

ينبغي أن نشير إلى أن هذا المسرح الكبير دون جمهور، فالكل يشارك سواء بوعي أو بخبث أو بسلبية واكتفاء بالمشاهدة، فحتى المشاهدة هنا هي تمثيل وأداء من نوع آخر.

وقياسًا على مقولة العملاق «يوسف بك وهبي» كانت مصر منذ الخامس والعشرين من يناير 2011، ولا تزال مسرحًا كبيرًا، امتلأ بنجوم شغلوا الناس وتسيّدوا المشهد فترة، منهم من أفَلَ، والكثرة توارت في الظل سريعًا بنفس سرعة ظهورها وبعضهم لا يزال يسعى جاهدًا لتلميع نفسه بوهم قيمة الدور المنوط به.

والحق أن الأداء التمثيلي كان عاليًا لدى البعض وفجًّا قميئًا لدى آخرين، الغريب للمتابع للأحداث في تلك الفترة يجد أن غالبية الممثلين كانوا يمارسون دورين مزدوجين، دور الممثل ودور المخرج في آن واحد، فكثير منهم لم يرضَ أن يرضخ لمخرج يملي عليه تعليمات بالحركة وتفصيل لدور محدد، فالفرصة لا تتكرر تاريخيًا كثيرًا، ولا ينبغي أن يخضع كما كانت حياته للتعليمات والأدوار التقليدية.

ومنهم من كان يخضع لتعليمات المخرج القابع في الظل، يحّركه كيفما شاء وأينما ووقتما يشاء.

«النزول من على خشبة المسرح»

وذات رواية قرر فجأة أحد الممثلين أن يهبط من على خشبة المسرح وأن يخلع عباءة الدور الذي يؤديه بحرفية بالغة كل ليلة وصمّم أن يجلس بين المتفرجين، ولم يستجب لتوسلات زملائه أو تنبيه المخرج ثم تهديده ووعيده، صمّ أذنيه وأغلق عينيه وقرر ما لم يكن يعقل من قبل.

وحسب ما ذكره البعض على لسانه، فقد شعر بغبن وظلم كبيرين، وهو يرى المتفرجين يشاهدونه كل ليلة، منعمين في جلستهم آمنين من عقاب المخرج والرقابة والعسس بينما هو يخضع للتعليمات دائمًا، ودائمًا يخشى بأس رقيب يتربص به آناء الليل وأطراف النهار، مفسرًا كلماته ومحلّلًا للمعاني الكامنة بها إن خرج على النص بل يُحاسب على انقباضات عضلات وجهه أو جسده أو إشارات يديه إن فعل.

لقد عانى كثيرًا من قسوة الأداء كل ليلة وهو يرسم على وجهه ابتسامات زائفة وأيقن أن دوره لم يعد بطلًا على المسرح لكن أصبح «كومبارسًا» يضفي حيوية على حياة لا تمت له بصلة. وشعر كما لو كان المتفرجون يشترونه بمالهم، وبسعر بخس جنيهات معدودة يلقيها المتفرجون في وجهه كل ليلة، لقاء جهد جهيد منه لإقناعهم بتمثيله وبما يقدّم من أداء مسرحي.

لقد سيطرت عليه حالة من الكدر سرعان ما تحولت إلى امتعاض، فسأل نفسه ذات ليلة: لماذا لا أكون متفرجًا مثل هؤلاء؟ ولمَ أقضي حياتي كلها والجميع يتفّرجون عليّ حتى أصبحت مادة لسخريتهم وتسليتهم؟

والآن وقد نزل من على خشبة المسرح وألقى بدوره بعيدًا رافضًا أو عاصيًا فالأمر سيان، وهبط بين المتفرجين كي يجالسهم ويصبح واحدًا منهم.

وإن كانت أسئلة ما زالت تؤرقه، هل يقبله هؤلاء؟ وهل يترك المخرج وكبار الممثلين أن يهتز المسرح وأن يضطرب بفعل أخرق وتصرف مندفع كما فعل هذا الممثل؟

هذا المقال يعبر عن رأي كاتبه ولا يعبر بالضرورة عن ساسة بوست

عرض التعليقات
تحميل المزيد