ما زال ذلك الجسد الذي أوتيناه بغير حول منا و لا قوة مثارًا لاكتشافات توقف عقل العلماء أمام عظمتها حائرًا. و كلما قرأت عما اكتشفه العلماء من تفاصيل داخل ذلك الجسد أيقنت بعظمة الخالق، وربما ظننت أنك فهمت أو استوعب عقلك ما يحدث داخل جسدك، ولكنك لن تستطيع أبدًا استيعاب السرعة التي تعمل بها  كل تلك الاْجهزة، صفحات وصفحات لتشرح عملًا تقوم به تلك الاْجهزة في أقل من ثانية.

وعلى عرش كل ذلك يتربع الدماغ معلنًا سيطرته التامة، ومنصبًا نفسه ملكًا له حق الطاعة، و تكفيه تلك الإشارة التي يرسلها مع  أحد خدمه من الخلايا العصبية؛ ليحرك ما يريد وقتما يريد.

هل نصب نفسه فعلًا أم نحن الذين نصبناه؟ و هل يستحق هذا التنصيب فعلًا، أو أن هناك عضوًا آخر أولى بهذا التنصيب؟ ماذا عن القلب؟ هل يمكن أن يُعلن، بعد سنوات من الآن، أن القلب هو الملك لا غيره؟ هل يمكن أن تكتشف الأجيال القادمة أن الدماغ ما هو إلا عضو تابع لملك، لم يعلم عنه أحد شيئًا سوى أنه عضلة نابضة؟ أم أن القلب فعلًا ما هو إلا عضلة نابضة.

ربما كانت الحالات التي سُجِلَ أنها تعرضت لتغيرات كبيرة في شخصيتها، بعد خضوعها لعمليات زراعة القلب، أول ما أثار التساؤل عن طبيعة هذا القلب وحقيقة دوره.

أبحاث كثير تمت للتحقق من هذا الأمر؛ بعد ظهور تلك الحالات التي أثارت الجدل بشكل كبير. أحد تلك الأبحاث كان في «فيينا» بالنمسا سنة 1992، والذي أُجريَ على 47 حالة من الحالات التي خضعت لزراعة للقلب، كانت الأبحاث تتناول مدى التغير الذي طرأ على شخصياتهم، بعد الجراحة. 79% من الحالات صرحوا بأن شخصياتهم، لم تتغير على الإطلاق، في هذه المجموعة – كما ذكر البحث – أظهر المرضى ردود فعل دفاعية بشكل كبير، وردود فعل إنكارية عن طريق التغيير السريع للموضوع أو جعل السؤال يبدو سخيفًا.

15% من المرضى صرحوا بأن شخصياتهم تغيرت بالفعل، ولكن ليس بسبب القلب الجديد، ولكن بسبب الظروف المهددة للحياة التي مروا بها.

6% فقط من المرضى هم من صرحوا بأن شخصياتهم تغيرت تمامًا بسبب قلوبهم الجديدة.

في مقال آخر نشر عام 2002 تمت مقابلة بعض الحالات المتطوعة، والتي خضعت لزراعة للقلب وأهاليهم وأصدقائهم، ثم مقابلة أهالي وأصدقاء واهبي القلوب، لوحظ أنه في كل حالة تقريبًا صفتان إلى خمس صفات تغيرت في مستقبل القلب بشكل يوافق شخصية الواهب. التغيرات شملت تغير في ذوق الأكل، الموسيقى، الفن، الجنس، و التفضيلات المهنية.

في حالات أخرى، تم رصدها، امرأة من فرنسا بعد إجرائها عملية لزراعة قلب، طاردتها مشاهد حية لحادث سيارة تبين، بعد ذلك أنه نفس الحادث الذي تعرض له واهب القلب.

في جورجيا أمريكا عام 2007 رجل تلقى قلب منتحر، قتل نفسه بعد ذلك بنفس الطريقة التي انتحر بها الواهب!

دكتور «غاري شوارتز» يحكي أيضًا عن فتاة في الثامنة من عمرها تلقت قلب فتاة كانت ضحية لعملية قتل، بعد عملية الزرع راودتها أحلام عن القاتل، كانت تلك الأحلام دقيقة جدًا لدرجة أنها ساعدت الشرطة في التعرف على القاتل والقبض عليه.

حالة أخرى كذلك لرجل يدعى جيم، كان قبل العملية ليست عنده أي ميول للكتابة، وبعد خضوعه للعملية تحول تمامًا ليصبح بارعًا في كتابة الشعر، ليكتشف بعد التواصل مع عائلة واهب القلب أنه كان يحب كتابة الشعر، خاصة لعائلته وزوجته.

«بيل ويل» من «فينيكس» أريزونا، كان قبل الزراعة رجل أعمال ناجح، ليس لديه أي اهتمام بالأكل الصحي أو حتى بأية رياضة من الرياضات، كل ذلك تحول بعد الزراعة لتتغير حياته و يصبح مهتمًا بالرياضات بأنواعها وبدأ بركوب الدراجات و السباحة وغير ذلك. بعد مرور عام من وقت تعرضه للزراعة، قابل بيل عائلة الواهب «برايدي»، والذي كان يعمل كرجل مجازفات في هوليود.

كل هذه الحالات وغيرها بكل التفاصيل التي تحملها جعلت فريقًا من العلماء يقررون أن ما يحدث أكثر من مجرد صدفة، ليبحثوا ـ بعد ذلك ـ محاولين فهم طريقة عمل هذا القلب.

دكتور «بول بيرسال» أحد الذين حاولوا شرح العلاقة بين العقل والقلب، في كتابه «شيفرة القلب»، وتفسير ذلك لما يحدث للذين يخضعون لعملية زراعة القلب.

تواصل دكتور «بيرسال» مع الباحثين في معهد «هارت ماث» بكاليفورنيا، و مع دكتور «رولن ماكريتي» والذي تواصل بدوره مع دكتور «أندرو امور» كل ذلك في محاولة لتفسير ما يحدث لبعض الحالات التي تعرضت لزراعة القلب.

يقول دكتور أندرو امور: مع كل الأجهزة الجديدة استطعنا أن نعرف أن القلب ليس مجرد عضلة نابضة، بل يحتوي على خلايا عصبية كذلك. دكتور «اندرو» اكتشف وجود خلايا عصبية متطورة داخل القلب منظمة بشكل يكون نظامًا عصبيًا صغيرًا، لكنه معقد، أسماه العقل الصغير داخل القلب. أثار ذلك التساؤل: هل للقلب نوع من الذكاء خاص به؟

يشرح ماكريتي أن الذاكرة توزع خلال الجهاز العصبي بشكل كامل، لذا من الممكن، أننا عندما نضع قلبًا داخل الشخص المتلقي، فإننا نضع بعضًا من ذاكرة هذا القلب القديمة داخل الجهاز العصبي للمتلقي.

قام دكتور «ماكريتي» والباحثون في المعهد بمحاولة كشف العلاقة بين القلب والدماغ ودور القلب في مشاعرنا وتجاربنا الحياتية. قاموا في تجربتهم بعرض صور مختارة على متطوعين، كانت الصور ما بين الإيجابية والسلبية وعرضت على المتطوعين بشكل عشوائي، وتم تسجيل النشاط الوظيفي للدماغ والقلب خلال ذلك. وفقًا لماكريتي كان القلب يشعر بشكل تنبؤي قبل ظهور صورة مزعجة على الشاشة، ثم ينقل رسالته إلى الدماغ والذي ينبه الجسم بعد ذلك لاتخاذ ردة فعل.

يقول الله تعالى «أفلم يسيروا في الأرض فتكون لهم قلوب يعقلون بها أو آذان يسمعون بها، فإنها لا تعمى الأبصار و لكن تعمى القلوب التي في الصدور».

و يقول رسول الله صلى الله عليه و سلم «ألا و إن في الجسد مضغة إذا صلحت صلح الجسد كله، و إذا فسدت فسد الجسد كله ألا وهي القلب».

و ما زلنا في انتظار أهل العلم ليستكشفوا لنا المزيد عن ذلك القلب الذي يبدو وكأن مفاجآته، لم يكشف لنا عنها شيئًا بعد.

 

هذا المقال يعبر عن رأي كاتبه ولا يعبر بالضرورة عن ساسة بوست

علامات

الدماغ, القلب
عرض التعليقات
تحميل المزيد