يبدأ رمضان لدي الكثيرين وأنا منهم عادة بوضع خطة لاستغلال الشهر الفضيل بخير طريقة تتحقق بها الغاية العظمى من الفريضة “لعلكم تتقون” فيكبح جماح النفس ويلجم شهواتها ويلزمها طريق الله فلا تحيد حبا لله وطاعته وخوفا من وعيده للضالين ورجاء وطمعا في وعده الجميل.

لكن! الطريق صعب موحل وعر منحدر تملؤه العقبات والأفخاخ من هوى نفس وشهوات ومغريات فمضى لليوم نصف الشهر خمس عشرة ليلة وأربعة عشر يوما يفترض أن أكون قد قطعت فيهم نصف الطريق ولكني لم أقطع فيهم إلا اليسير، فاستوجب الأمر وقفة جادة مع النفس وتحقيقًا دقيقًا وتتبعا حثيثا لتحديد ماهية المشكلة ولماذا لم أبرح مكاني حتى الآن؟ وما الذي يعوقني في طريقي؟ فبهذا السير السلحفائي لن أحصل شيئا من رمضان فهذا النصف مضى وهذا الطريق لايزال طويلا وهذه وعورته وأفخاخه لاتزال قائمة.
بحثت ودققت ونظرت كثيرا، وعصفت ذهني أكثر حتى وصلت إلى : أن كل ما قرأت ورتلت من القرآن لم يتخط شفتاي بل لم يتعد كونه ترديد ببغاء وقلبي لا يزال مغلولا بأقفاله ومحجوبًا بأستاره، وصلاة التراويح التي أصليها خلف إمام يختم جزءًا كل ليلة لم أنل منها أكثر من تعب القدمين وبعض اللذة من صوت الإمام الشجي، فلا القرآن تخطى أذني ولا قلبي خشع لوقوفه بين يدي الله، والدعاء الذي ظللت أدعوه طوال تلك الفترة قبل المغرب ووقت السحر لم يتخط كونه دندنات وأناشيد أتغنى بها لأصل إلى نشوة رمضان الروحانية (كما يقولون) فتحركت قليلا في أول الشهر بالهمة التي بدأت بها ثم كسلت تدريجيًا فضاع من الشهر ما ضاع

وصلت إلى نتيجة واحدة من كل ذلك، وهي أن المشكلة لدي مشكلة فهم والعقدة في العقل لا القلب؛ فالطبيعي أن يكون قلبي مغلولا بالمعاصي والآثام فأنا بشر ولست عالما أو عابدا زاهدا بل رجلًا عاديًّا أذنب وأتوب طوال العام ولي من الذنوب ما أطلت ارتكابه وقلت عنه توبتي لكن غير الطبيعي أن تأتيني الفرصة وتوضع في يدي القوة للتحرر من الأغلال وأضيعها لسوء فهمي وتوجيهي الخاطئ لما منحت من قوة في هذا الشهر المبارك فالعقل يوجه والقلب يستقبل.
خلصت كذلك إلى أن الران الأخطر ليس ما ران على القلب بل ما ران على العقل، فما ران على القلب يزال ويمحى بالتوبة والإقبال على الله وإكثار الذكر والاستغفار والمناجاة لترقيق القلب وترسيخ صلته بالله ، لكن ما ران على العقل قد أعيش حياتي كلها ولا أدري بوجوده فيضيع جهدي كله سدى لفساد فهمي بما ران على عقلي.

والسؤال الواجب طرحه هنا أين سوء الفهم وخطأ التوجيه في تعاملي مع ما مضى من رمضان؟

سوء الفهم كان في استقبال رمضان شكلا لا معنى ظاهرًا لا باطنًا، فصلاة التراويح ليست لتعب الأقدام أو التلذذ بصوت الإمام، ولكن لإطالة الوقوف بين يدي الله واستحضار حبه وعظمته في القلوب فتكون أول الضربات لكسر أغلال القلب ووصله بربه عز وجل

وقراءة القرآن ليست لعد الحسنات والأحزاب والأجزاء والختمات، بل لتكون ملينا لجمود القلب ومفتاحًا لكل الأقفال في القلب والعقل ولتكون المخصب للأرض التي سينبت فيها نبت التقوى.

والدعاء ليس للتغني والدندنة وتصنع البكاء، بل لتحقيق معنى الرجاء في القلب وليكون الوتد القوي المثبت للواء التقوى في القلب ومفتاح الوصول الدائم لرب العباد.

فيكتمل بالثلاثة معنى العبودية الحقة لله بأجزائها الثلاثة: الحب والخوف والرجاء ويمهدوا الطريق للصيام ليرفع لواء التقوى أعلى قلوبنا فيتحقق مراد الله عز وجل فينا من صيام رمضان (لعلكم تتقون).

هذا المقال يعبر عن رأي كاتبه ولا يعبر بالضرورة عن ساسة بوست

عرض التعليقات
تحميل المزيد