تدثر الملك بدثار من حرير وامتدت تحته البسط الحمراء وأخرى زاهية من كل لون، تمدد على سرير من ذهب مرصع بتحف من كريم الأحجار، حوله الخدم يملؤون القصر.

دخل الرسول على فرس صغيرة ذيلها قصير، مرتديًا ثيابًا مهلهلة رثة، ليس عليه أثرٌ من نعمة ظاهرة !

وجه «رستم» سؤاله: ما جاء بكم أيها العرب؟ فكأن لسان حاله يقول: انظر ما أنا فيه وما أنتم عليه !

أجاب «ربعي بن عامر» بدعوة الدين: نحن قوم ابتعثنا الله لنخرج العباد من عبادة العباد إلى عبادة رب العباد، ومن جور الأديان إلى عدل الإسلام، ومن ضيق الدنيا إلى سعة الدنيا والآخرة.

(١)

في جلسة سمر بين مجموعة من التجار أصدقاء الوالد، لفت نظري أحدهم يلعن في «هؤلاء» ويحقرهم كأنهم ليسوا بشرًا، وجهت سؤالي له: من هؤلاء؟

قال بلهجة المطمئن الواثق: «واحد مسيحي عمل معايا موقف وحش وليه عندي فلوس مش عايز أرجعها له، غلطان أنا يا دكتور؟».

تعجبت وصرخت في وجهه: وبمَ تستحل ماله؟!

قال: أموالهم ونساؤهم حلّ لنا يا شيخ!

حاولت مستميتًا أن أوضح له أنه ليس معنى أنه مخالف له في العقيدة أن تحل له أمواله ونساؤه على حد وصفه، ولكن دون جدوى فهو لم يقتنع، أو بالأحرى لم يوافق كلامي هواه.

(٢)

كانت أوروبا غارقة في الظلام، وكان المسلمون حينها قد خرجوا من جزيرة العرب حاملين رايات دينهم الجديد، منادين بحرية الأمم وبخير الدعوة التي جاء بها محمد -صلى الله عليه وسلم-.

ساح المسلمون في الأرض فدانت لهم مشارقها ومغاربها، وتوسعت إمبراطوريتهم من الصين إلى جنوب فرنسا، وبهذا ضاق الأمر على أوروبا التي حصرها المسلمون في الشمال يحيط بهم خطر الفتح والمداهمة في أي وقت.

أقام المسلمون دولة الإسلام في قلوبهم فقامت على أرضهم حتى بلغت الآفاق.

(٣)

«وَمَا أَرْسَلْنَاكَ إِلَّا رَحْمَةً لِلْعَالَمِينَ»

يقول سيد قطب معلقًا على الآية: وكثير يشهد بأن الرسالة المحمدية كانت رحمةً للبشرية، من آمن بمحمد ومن لم يؤمن به على السواء. فالبشرية كلها قد تأثرت بالمنهج الذي جاء به طائعة أو كارهة، شاعرة أو غير شاعرة. وما تزال ظلال هذه الرحمة وارفةً لمن يريد أن يستظل بها، ويستروح فيها نسائم السماء الرخية، في هجير الأرض المحرق، وبخاصة في هذه الأيام.

وإن البشرية اليوم لفي أشد الحاجة إلى حس هذه الرحمة ونداها، وهي قلقة حائرة، شاردة في متاهات المادية، وجحيم الحروب وجفاف الأرواح والقلوب.

(٤)

مرت القرون حتى اطمأن المسلمون لنصرهم وسيادتهم وخلدوا للسكون والركود، وكانت أوروبا حينئذ تفيق من غفلتها بعد هزائمها ونومها الطويل، فاستيقظ الغرب يطلبون العلم ويسهرون الليالي ويعدون ثقافةً تتميز بميزاتهم وجيوشًا تحمل راياتهم، حتى صار الأمر كما وصف الأستاذ محمود شاكر:

«ولا أقول: شال الميزان، بل أقول: بطل عمل الميزان، وصار في الأرض عالمَان: عالَم في دار الإسلام مفتحة عيونهم نيام يتاخم من أوروبا عالمًا أيقاظًا عيونهم لا تنام، وقضي الأمر الذي فيه تستفتيان!».

(٥)

قال تعالى: «وَلَولَا دَفعُ اللهِ النَّاسَ بَعضَهُم بِبَعضٍ لَفَسَدَتِ الأَرضُ».

اجتاح الغرب بلاد الإسلام في حملة شرسة طويلة المدى عرفت فيما بعد بعصور الاستعمار الكبرى، وساحوا في العالم الإسلامي فمزقوه كل ممزق، وراح كل منهم يتقاسم نصيبه.

عمل الاستعمار على تفتيت روابط الأمة وطمس هويتها ومحو ثقافتها حتى تبدلت المفاهيم وتشوهت وجهات النظر والآراء، وعملوا على نزع السلاح من الأفراد حتى إذا ما هزمت الدول استسلمت الأمم. وهكذا ذُلِّلَت أمة الإسلام وعاشت الأمة هزيمة مادية ساحقة تبعها العديد من الهزائم في غفلاتها المتتالية إلى أيامنا هذه.

أثرت هذه الهزيمة في نفوس الأمة وأثارت فيهم الحمية، ولكنها الحمية الممزوجة بالعاطفة الذي لا عقل لها، فصار مفهوم الجهاد مفهوم قتال يحمل روحًا انتقامية، بعد أن كان رحمةً للعالمين من المسلمين وغير المسلمين !

(٦)

إن الله لا يحابي أحدا، أيًّا كانت ديانته أو جنسه أو لونه، فمن اتبع سنن الله وفقه الله، ومن أبى فليس أمامه إلا التبعية وذيل الأمم.

عرض عليّ أحد الأصدقاء مقطعًا مسجلًا للدكتور يوسف القرضاوي يقول فيه إنه يمتدح في إسرائيل أنها تعيش ديمقراطية حقيقية، وأنهم ليس عندهم من يفوز بـ٩٩.٩٩٪ من جملة الأصوات، رددت عليه أنني لا أمتدحها فقط، بل أتمنى أن نكون مثلهم في الديمقراطية والبنية التحتية والنجاح الاقتصادي الهائل الذي حققوه!

من يستوفِ شروط التمكين يمكن الله له !

علينا أن نخرج من نظرتنا لأنفسنا نظرة المجني عليه، نحن من ضحى وجنى على نفسه بما آل بنا حالنا إلى الظلم والجور والاقتتال والجهل؛ فسلط الله الأمم تتداعى علينا كما تتداعى الأكلة إلى قصعتها !آن لنا أن نفيق من غفلتنا وندرك سبب وجودنا في هذا العالم كخير أمة أخرجت للناس، ونسعى لإعادة فعالية الأمة.

(٧)

حق الإنسانية

«ثم أمرهم بعد ذلك أن يجاهدوا في الله حق جهاده بنشر هذه الدعوة وتعميمها بين الناس بالحجة والبرهان, فإن أبوا إلا العسف والجور والتمرد فبالسيف والسِنان:

والناس إذ ظلموا البرهان واعتسفوا ..  فالحرب أجدى على الدنيا من السلم»

حسن البنا – إلى أي شيء ندعو الناس

وذكر أبو مصعب السوري -المنظر الأول للتيار الجهادي- أن ركائز العمل الإسلامي «المقاومة» ثلاث، أولها المنحى الديني والثقافي، وثانيها المنحى السياسي والفكري، وفي آخرها قوة السلاح التي هي بالتأكيد لا غنى عنها، ولكنها خادمة للركيزتين الأولى والثانية.

(٨)

فهم الصحابة هذا الدين على أنه رحمة للعالمين فانتشروا في الأرض مبلغين الأمم رسالتهم، مجاهدين طغاة جاثمين فوق شعوبهم رافضين أن ينادي أحدٌ بمثل ما جاء به محمد !

وختامًا:
أخبرنا الله تعالى عن كيفية طغيان فرعون فقال: «إِنَّ فِرْعَوْنَ عَلَا فِي الْأَرْضِ وَجَعَلَ أَهْلَهَا شِيَعًا». إن الطغاة في كل زمان ومكان لا يتسقر لهم أمرٌ إلا بتفريق الناس «فرق تسد».

فلننظر للآخرين بعين الرحمة والدعوة لا بعين الانتقام والقسوة، حتى نجمعهم معنا في جهادنا ضد الظالمين ولا نسمح للطاغوت أن يتخذهم حائط حمى وسد «قَالُوا إِنْ هَٰذَانِ لَسَاحِرَانِ يُرِيدَانِ أَن يُخْرِجَاكُم مِّنْ أَرْضِكُم بِسِحْرِهِمَا وَيَذْهَبَا بِطَرِيقَتِكُمُ الْمُثْلَىٰ» سورة طه.

فما بيننا وبين الأمم إلا طغاة أبوا أن يخلوا بيننا، وما لنا ولهم إلا دعوة الحرية والعدل، فجاهدوا في سبيل الله حق جهاده !

هذا المقال يعبر عن رأي كاتبه ولا يعبر بالضرورة عن ساسة بوست

المصادر

رسالة في الطريق إلى ثقافتنا – محمود محمد شاكر
ودخلت الخيل الأزهر – محمد جلال كشك
فقه الجهاد – القرضاوي
الغلو في حياة المسلمين المعاصرة – عبدالرحمن اللويحق
الأمة هي الأصل – أحمد الريسوني
في ظلال القرآن – سيد قطب
دعوة المقاومة – أبو مصعب السوري
رسائل حسن البنا
عرض التعليقات
تحميل المزيد