في رحلة للوراء داخل عبق الماضي، وما بقي من ميراث الفن والشجن والحب، تعزف أنغام الناي على أوتار القلوب الراقية والأنفس المتعطشة للفن والذوق الرفيع، يجلس الجميع في صمت احترامًا لهيبة المكان وينسجم الفن في وجدانهم كانسجام القطر في أوداج السحاب وتنكشف الأضواء على الساحة الفنية لتعطي جاذبية للمكان وعظمة لكل جزء فيه، فكل جزء منه يحوي تاريخًا داخل هذا المركز الثقافي الذي بني على التراث الإسلامي وازدهر في عهد الخديوي إسماعيل، ليلعب دورًا مهمًا في إثراء الحركة الفنية بداية من الفن الشرقي والإنشاد الديني، وصولاً إلى الأوركسترا السيمفونية وفرق الموسيقى العربية والرقص المسرحي ومراكز الإبداع والفنون، والفرق الموسيقية مثل كورال أكابيللا، فرقة الرقص المسرحي الحديث المصرية، الفرقة القومية للموسيقى العربية وغيرها من الفرق.

وتعلن الحياة عن ميلاد كوكب بشري جديد يختلف كثيرًا عن كواكب المجموعة الشمسية، فتجد عليه الحياه والعطاء ويلجأ إليه كل من لم يجد للصب غدًا فيحن لأنغام سيدة الغناء والفن أم كلثوم، حينها كان للتذوق عنوان وتفاصيل كأنك تحاكي حياة في شوارع مصر القديمة وبيوتًا أثرية لفن معماري يحمل روح المكان وقصصًا لأبطال غابوا عن الساحة السينمائية لكنهم أحيوا بذوقهم عشقًا وحكايات داخل الساحة الحياتية.

ولكن ما دعاني لأن أكتب كلماتي هذه أمر قد نراه بسيطـًا جدًا في هذه الآونة؛ لكنه كان عظيمًا في مقداره لدى أهل المحروسة زمان وفي زمن الفن الجميل، وأنا أستمع إلى ألحان سيدة الغناء لأرى رد فعل غريب جدًا، حينما خرج عازف الناي سيد سالم عن النص والنوتة الموسيقية في إحدى حفلات كوكب الشرق، فقد رأيت من الضجر والغضب والاستهزاء من الجمهور ومن السيدة أم كلثوم ما لم أره من قبل، فكم كان للتذوق وجود وكيان داخل قلوب المستمع وفي زمن السميعة ممن كانوا يهتمون بأدق التفاصيل، فإذا شذ إحدى الموسيقيين عن اللحن أفقد الاستماع قدره ووزنه وأصاب المستمعين بالشرود.

يا لها من عظمة في زمن الحب، ولكن مع تطور الحياة غابت تفاصيل الأيام وقيمة كل عمر، فقدنا النص وافتقدنا معه الإحساس والرقي فغرقنا داخل أودية من ينابيع مياه قد جوت، وأصبح الخروج عن النص واللحن أمرًا طبيعيًا، أما الالتزام فأصبح هو الوباء والمثالية الغريبة.

هل تغير إحساسنا بالقيم وافتقدنا النص وحدنا عن المسار!

البعض يعترض والبعض يوافقني الرأي ولكنني أرى في أغلب الحالات أن من ثبتوا على القيم والمبادئ في العهد الجديد أقل بكثير مقارنة بالعهد القديم، فحينها كانت مياه الأرض ناصعة البياض كثيرة البركة، وكانت الوجوه تشبه ملامح القمح، ولا شك أن هناك بعض الفاسدين ولكن الأخلاق لم تتغير.

تغير الزمان وأسرعت الحياة ووجدنا من يحيدون عن النص ليقف أمامهم العالم تعظيمًا واحترامًا، وجدناهم في تعظيم وإجلال وتصفيق حاد من الجمهور، وجدناهم تلتفت إليهم الأضواء وتتسارع عليهم الأقطار البشرية لتلتقط صورة من صور النفاق الاجتماعي، صورة لسياسي فاسد يتاجر بمصلحة وطن من أجل البقاء مع سلطة ونظام يحميه، صورة لمسئول لم يع حجم المسئولية وشارك في فساد من أجل مصلحة شخصية، صورة لداعية تاجر بالكلمات وسرق عقول البسطاء كي يحمى نظامه، صورة لرئيس داخل مصلحة ينهب من خيرها ويرتقي على أكتاف الآخرين ممن يعانون من الفقر وقلة الحيلة، وآخرها صورة لراعية لم يع حق الرعية!

صور كثيرة ليس لها ملامح سوى العتمة والجفاف، بئر من الخيانة ونبع من الإسفاف عم داخل تراب الأرض التي ظلت تحمل الخير وروى دماءها شهداء على مر العصور ورحيقًا من أزهار وكلمات من سطور طوت صفحاتها وحفظت داخل مدونات الإهمال فلم تجد سوى التراب رفيقًا لها.

وبالقرآن تكمن القصة في قوله تعالى: «ولو أن أهل القرى آمنوا واتقوا لفتحنا عليهم بركات من السماء والأرض، ولكنهم كذبوا فأخذناهم بما كانوا يكسبون».

فكيف ننتظر البركة والخير دون أن نتقي الله في كل شيء وكيف ننتظر لحنًا جميلاً وقد خرجنا عن النص، تلك هي النوتة الموسيقية الحقيقية التي تحيي أدوارنا، وكياننا، وأرواحنا الجميلة داخل الحياة، ويجملها ألحان ناي بهي حينما يخرج عن النص يقسو علينا دون أن نشعر، فقد لا نشعر الآن، ولكن سيلقى الزمان بوابله بعد.

هذا المقال يعبر عن رأي كاتبه ولا يعبر بالضرورة عن ساسة بوست

المصادر

عرض التعليقات
تحميل المزيد