تمثل الدولة الوطنية بالمعنى الدقيق «الدولة القومية»، التي ضُبطت وحُدِّدت أفكارها وتصوراتها سياسيًّا وقانونيًّا لتوجيه الممارسة السياسية المتوافقة مع واقع العالم العربي، وهي بذلك تخالف شكل الدولة المدنية ومضنونها، إلا أن ذلك لا يعني بالطبع الحضور الفعلي لها، إذ لم يعترف بها، ورفضتها الأيديولوجيات الأممية والقومية، تحت اعتبار أنها وليدة المخططات الاستعمارية، والحدود المصطنعة التي استحدثتها، لتشكل عائقًا أمام الوحدتين العربية والإسلامية.

 يعود وجود النزاعات التجزيئية في العالم العربي إلى عهد الخلافة العباسية، وبشكل خاص إلى عصرها الثاني، وحتى سقوط الدولة العثمانية، وظهور الحركة القومية التركية، التي ألهمت وشجعت الشعوب العربية على تطوير خيار الوجود السياسي الذاتي، فانتقلت الدولة القُطرية من كونها مظهرًا للواقع التاريخي والسياسي المرتبط بالضعف والإنحسار، إلى مطلب تناضل الشعوب من أجل بلوغه، أما باعتباره هدفًا بحد ذاته أو حالة انتقالية مؤقتة، وأهم ما كشف عن ذلك:
– مشروع الجامعة العربية 1945 مـ، الذي منح ما يشبه الأعتراف الرسمي والقانوني بوجود الدولة الوطنية، حتى أن الجامعة قامت على أساس التعاون بين الدول العربية وعدم التدخل في شئون بعضها البعض، لا على الوحدة.
– هزيمة 1967م، حيث تمسكت الدولة الوطنية بقطرها وكيانها الوطني عن تحقيق الوحدة، التي اعتبرتها هدفًا مؤجلاً لما بعد الاستقلال.
وبذلك نستطيع القول إن الدولة الوطنية كانت حصيلة العديد من التطورات والصراعات السياسية على السلطة، والتغلب بالحكم، الذي جعل الشعوب العربية تعهد تعايشها الاجتماعي والسياسي بسبب فقدانها جانب كبير من محتواها القيمي والأخلاقي. ولا ننسى الدور الذي قام به الاستعمار لاسيما بعد الحرب العالمية الأولى، حيث جعلها أكثر إنقسامية، ووضع حدودها الرسمية.

      شرعية الدولة الوطنية:

      رغم التحديات التي واجهت الدولة الوطنية، فإنها حققت شرعيتها الكاملة، حيث لا يوجد دليل تاريخي يظهر رفض المجتمعات العربية لها، بالإضافة إلى أنها لم تتحرك في فراغ، بل كانت تعبيرًا سياسيًّا عن عدة عوامل موضوعية، ولقد استندت إلى الشرعية الوحيدة المتبقية بعد سقوط الخلافة العثمانية، المتمثلة بـ«القوى التقليدية الهاشمية»، وهي شرعية مقبولة اجتماعيًّا، بفعل نهجها الثوري في مقاومة الاستعمار، ونجاحها في التخلص منه، ومن القوى المرتبطة به، إلى جانب أنها كانت الوسيط بين مصادر الشرعية التقليدية المتمثلة في الدين والقبيلة، وبين الدولة الوطنية.

 ويعد العراق أحد نماذج الدولة الوطنية التي استندت إلى شرعية البيت الهاشمي، فبعد فشل مشروع الدولة العربية الكبرى للشريف حسين، مؤسس المملكة الحجازية الهاشمية،  اتجه الملك فيصل الأول إلى سوريا ليعلن استقلالها، إلا أنه فشل وخرج منها بعد معركة غير متكافئة مع فرنسا 1920مـ، انتقل بعد ذلك إلى العراق، الذي نجح في إعلان استقلاله، رغم أن فكرة تحقيق الدولة الوطنية فيها كان أمرًا في غاية الصعوبة، خاصة مع الحضور القوي للانتماء العشائري والاختلاف الطائفي والجهوي، إلا أنها تجاوزت ذلك بدعم الأسرة الهاشمية لها، والتقائها مع الاتجاه العروبي، إلى جانب مساعدة بريطانيا، لتهدئة الأوضاع بعد فشلها في قمع ثورة العشرين.

 واجهت الدولة الوطنية بعد الاستقلال حالات من الرفض والتمرد، الذي لم يوجه لها وكيانها، إنما للنخب الحاكمة، حيث كان الموقف منها عمومًا ايجابيًا حتى بالنسبة للأقليات، مثل الكرد في العراق، والبربر في المغرب، والاقباط في مصر، الذين اعتبروها إطارًا شرعيًّا لتحقيق التوازن بين المكونات المختلفة في الدولة.

ومع قراءتنا لتاريخ نشأة الدولة الوطنية، ومشاهدتنا للواقع العربي حاضرًا، نستطيع القول إن مشكلة شرعية الدولة الوطنية ارتبطت دائمًا بفشلها في بلورة مشروع ديمقراطي استقلالي «شرعية الأداء»، وليس بافتقادها للشرعية التاريخية والقانونية اللازمة «شرعية الوجود».

هذا المقال يعبر عن رأي كاتبه ولا يعبر بالضرورة عن ساسة بوست

عرض التعليقات
تحميل المزيد