منذ شهر أو أكثر انقطعتُ عن الكتابة؛ وحاولت التفرغ ـ بشكل تام ـ للقراءة! وكما تعلمون، إن الأدب يفتح مداركك على عوالم أخرى،قد تكون لا تعلم بها،وحتى وإن علمت،فلن تشعر أنك حييت في هذه الحقبة،إلا من خلال قلم أديب بارع يأخذك من بين دروب عالمك؛ ليجول بك بين أزمان أخرى،ويصبح هو رفيقك ومرشدك في عالم لا تعرف عنه الكثير،وكان رفيق رحلتي في ـ هذه المرة ـ العظيم «آرثر ميلر».

ولم تكن رواية «البوتقة» أول ما تحدث عن العصور الوسطى؛ فكتب التاريخ مكتظة بهذه الحقبة على وجه التحديد،ولكني لم أشعر ـ قط ـ بما شعر به أهل هذا الزمان،إلا بعد أن رأيت «داعش»،وربطت بين ما يحدث منها، وما دونه «آرثر ميلر» في رواية البوتقة،وما حكته كتب التاريخ،حقًا ما أشبه الليلة بالبارحة.

«الثيوقراطية» واحدة في كل العصور،وكل الأديان؛ حكم المتطرفين، لم يتغير، ولن يتغير، منذ آلاف الأعوام؛ فنفس المنهج الفاسد هو المتبع،من اعتبار أنفسهم أعلى درجة من البشر،وكأنهم نواب الإله في الأرض،والحاكمين بأمره،ولكن من منا يا سادة قد امتلك الحقيقة كاملة،ومن منا يعلم من الأقرب إلى الله، سوى الله جل جلالة.

لم أتعجب حين علمت استعداء «الكنيسة الرومانية» للعلم في هذه العصور،ولم أتعجب من «محاكمة الساحرات»،والتي اعتمدت على هراء، وبضع خرافات،لم أتعجب أن «محاكم التفتيش» قد اضطهدت أصحاب نفس الديانة،لم أتعجب؛ لأني رأيت كل هذا في بلادنا من عدة جماعات تدعي أنها دينية؛ لمجرد الوصول للسلطة،فهذا هو حكم المتطرفين في كل العصور،ولننظر لحال أفغانستان اليوم، بعد تمكن حركة طالبان منها،والحكم باسم الدين،فلنر كيف تحيا اليوم في عصور الظلام والجهل والاضطهاد،إن الثيوقراطية ما هي سوى وسيلة لهدم الأوطان.

ولنر العالم الآن،ولنر كل الدول التي حكمها المتطرفون،إلى أين قادوها؟ وأي مستقبل مظلم ينتظرهم!

وحتى نرى الصورة كاملة من الخارج،من منا اليوم يرضى عن الكيان الصهيوني؟ ومن منا اليوم لا يرى جرائمهم وسرقتهم للأوطان، حتى وإن ادعوا ـ في بعض الأحيان ـ الإنسانية،هذه يا سادة هي صورة متطورة من الثيوقراطية.

ودعوني أعلمكم ـ منذ الآن ـ ما هو المستقبل إن اتبعنا نفس النهج؛ لأن الطريق واحد، لم يختلف كثيرًا منذ آلاف الأعوام؛ فالبداية ـ دائمًا ـ الغزو بأفكارهم،ثم بعد ذلك محاولة السيطرة على المجتمع،ومحاولة «التماهي» معه بادعاء الوسطية؛ لكسب أكبر دعم ممكن،ثم استعداء الآخر، وكل من يختلف معهم،لتشعر أنك في دائرة ضيقة كل من خارجها أعداؤك.

ويشتد بالتدريج خطابهم؛ ليتحول إلى التشدد،وما إن تقوى شوكتهم حتى يبدأ سفك الدماء،الذي لا يفرق بين ديانة وأخرى،فتجد أنك وأبناءك تساقون للموت كل يوم،دون أن تعلموا ما السبب الذي أدى إلى ذلك،وقد يصل بهم الحد إلى تغيير معتقداتكم، أن يجعلوكم تشتهوا الموت، حتى تلاقوا ما توعدون.

لتستيقظوا ذات يوم؛ فتجدوا أنفسكم مشردين بلا وطن،تحلمون بأرض الموعد؛ لتسفكوا المزيد من الدماء،وتغتصبوا أرضًا جديدة يشرد أهلها.

هذه هي الحقيقة كاملة؛ فـ«الثيوقراطية» هي «داعش»،وهي «العصور الوسطي»،وهي «الصهيونية»،وهي النقطة المظلمة في تاريخ كل وطن وأمة.

هذا المقال يعبر عن رأي كاتبه ولا يعبر بالضرورة عن ساسة بوست

علامات

الأوطان
عرض التعليقات
تحميل المزيد