هذه هي الوصفة اللعينة التي عانت منها إقطاعيات أوروبا تحت حكم الدوقات والبارونات، وهي وصفة كهنوتية تمامًا، يمكن أن تنتقل من بلدٍ إلى آخر إذا ما أعجبت هذه الوصفة من يجلس على الكرسي.
لا أحد يمكن أن يجزم في هذا، ولكن المسلمين لربما كانوا على شفير الوصول إلى الثورة الصناعية إبان هجوم بارباروسا وريتشارد قلب الأسد على القدس، ومن هنا بدأت قصة أخرى لا يرويها أحد.

تحت هذا الضغط، اظطرت هذه الجموع إلى الاحتماء بالعسكر والثيوقراط، فتقدمت جحافل تحمل المسواك وجحافل تحمل السيف إلى خطوط المجتمع الإسلامي الأمامية، ولم توجد صيغة منذ ذاك الوقت كانت قادرة على كسر هذا الخط، فهو أقوى حتى من خط برليف.

من هنا، أُنشئت الكنيسة الكاثوليكية في القدس على يد اللِحى من جهة، والحذاء العسكري حليق اللِحى من جهة، فتمخّض التحالف فأنجب محكمة تفتيش، لا تزال تفتش عن آراء مخالفة حتى الساعة. وتحت تحالف المسواك والكلاشنكوف، وجدت صيغة بعيدة عن صيغة الأوروبيين، صيغة لا تحتوي عنصر حرية الرأي، فلا مواطن يضمن حقه في نقد من يسرق حقه، أما في الجهة الأخرى من البحر الأبيض المتوسط، فالنقد مهم لتحريك السوق تحت شرع رأس المال، فالحرية يكفلها رأس المال نفسه على حساب كل رأس في الدول التي لا تملكه.

أما تحت سقف أمة قال ابن أبي قحافة للناس فيها أن يقوّموا إعواججه ،فلا يضمن المواطن فيها رأسه شخصيا. أما ذوي السلطان هنا، فلهم قصة أيضا، فهم يعبدون الله حق عبادته في النهار، ويسرقون عباده حق سرقتهم في الليل، ليذهبوا للحج بأرقام حسابات مصرفية أطول من أي نهار أو ليل. إن عباد الله المسروقين لا يغيّرون واقعم المسروق بطول لسانٍ أو عصا، بل ينتظرون أن يتغير واقعم بطول سكوتٍ أطول من عصا السلطان نفسه. إن هذه الصيغة تفرش بساطاً أحمر للشر أن ينتصر في هذه المعركة حتى بدون مساهمة إبليس فيها، فقد إستغني السلاطين عن خدماته منذ عصر معاوية.

ومع هذا، فنحن لا نستطيع جمع رأس المال الذي جمعته الحضارة الجرمانية واللاتينية من الآلاف الجزر العذراء في المحيط ومن الأمريكتين في العالم الجديد، لا نستطيع أيضًا إبادة الهنود الحمر والأزتك، لأننا ببساطة لا نستطيع إبادة من تمت إبادتهم أساسًا، ولا نستطيع جمع الفضة من تشيلي كما فعل فرانسيسكو بيزارو في بوليفيا من «سيررو ريكو»، فلقد تم جمعها منذ أكثر من 500 عام،  إننا متأخرون بهذا المقدار.

وبقدر ما كان التاريخ الأوروبي هو الأكثر في سفك الدماء والتوسع، إلا أن هذه الظروف أفرزت الواقع الرأسمالي الصناعية. واقع قادر على تصفية الكنيسة ومن فيها، وتصفية الإقطاعيين مثل وليام الفاتح، وليس هذا الأمر بشيء قد يمكن أن يقال عنه المدينة الفاضلة، فالرأسمالية ليست رسالة إلى الإنسانية خالية من المؤسسات التي تخذّرهم بالأفيون، ليست رسالة حررت الإنسانية من الإقطاع ولا حُكم البابوات والفقهاء او العسكر، بل رسالة المؤسسات نفسها خالية من الإنسانية نفسها.

رسالة لم تضع الأصفاد على يد المواطن كما عرفنا في كتب التاريخ، بل تضع أصفادًا خفية على جيبه تسمى في بعض الدول قروض، وفي أخرى تشتهر باسم الفائدة، وهذه أصفاد خطيرة، إذا لا يعرف المواطن أنه مقيّد بها، ولا يستطيع التحرر منها بالندقية والسيف.

على كل حال، فنحن نعيش في واقع نحتاج أن نتبنى من إفرازاته قوانينا الديناميكية، وشرع ديناميكي يشارك فيه المواطن، ولا ينفذ ما كُتب في دستور لم يشارك في كتابته مواطن واحد.

 

هذا المقال يعبر عن رأي كاتبه ولا يعبر بالضرورة عن ساسة بوست

المصادر

عرض التعليقات
تحميل المزيد