الجزء الأعظم من محنة الأقباط تنبع من داخلهم بتبعيتهم الحمقاء لرجال الكنيسة وقادتها في شئون السياسة، ففي نفس الوقت الذي يعاني فيه الأقباط من الاضطهاد الممنهج من قبل الدولة، يهلل الأقباط فرحًا للعلاقة الوثيقة التي تربط البطريرك بالحاكم، والتي يستغلها الطرفان، البابا والسلطة، لتحقيق مأربه الخاصة، ففي كل حدث سياسي لا يدخر البابا جهدًا ليلقي برأيه، والذي يتحول من مجرد رأي إلى رسالة سماوية مقدسة على عموم المسيحيين الالتزام بها وتنفيذها، بدءًا من الانتخابات الرئاسية والاستفتاءات المتكررة، وحتى الانتخابات التشريعية، ثم يعود في مفارقة ساخرة ليحذر من مغبة خلط السياسة بالدين، لذا لم يكن مستغربًا أن يحل العام الثامن عشر من القرن الحادي والعشرين، بينما حال الأقباط كأقلية مضطهدة في مصر لم يتحرك قيد أنملة ناحية المواطنة، بل تحرك خطوات قوية ناحية الأسوأ، ونحو ترسيخ مبدأ الذمية، فعلى مر العقود الماضية تفانى بعض أساقفة الكنيسة القبطية، وبعض الوجوه القبطية المعروفة في رفض كل الجهود المبذولة لترسيخ دولة القانون، وفي المقابل ترسيخ مفهوم زائف للوطنية والتسامح المسيحي، يقضي بالتغاضي عن الحقوق وعن تحقيق العدالة فى الجرائم التي وقعت بحق الأقباط، والتنازل عن التعويضات بحق القتلى والجرحى، والاتهامات بحق المذنبين والمجرمين، ومع كل حادثة طائفية يلتقي البابا أو بعض أساقفته مع المسئولين؛ ليتنهي اللقاء كما هو متوقع بتنازل الأقباط عن حقهم، وقبول التهجير في بعض القضايا، وإقرار ما يعرف بالجلسات العرفية، كبديل عن محاكمات قانونية عادلة للمعتدين، من خلال كيان ممسوخ يدعى (بيت العائلة)، والذي تحول إلى وسيلة لتفريغ مشاكل الأقباط من مضمونها، وتسويف الحلول والمساواة بين الجاني والمجني عليهم؛ ليصير الأقباط ضحية الكنيسة نفسها قبل أن يصيروا ضحية النظام والمجتمع الطائفي.

مع كل حادثة طائفة تقع للأقباط – وهم كثر – يناقض الأقباط أنفسهم، فمرة يدعون أنهم في حماية ربنا، وهو القادر على أن يأتي لهم بحقوقهم ويرد لهم مظالمهم، بالرغم أن الحقيقة المؤلمة التي فسرها أ. مجدي خليل (رئيس منتدى الشرق الأوسط للحريات)، أن مسألة حماية ربنا وخلافه هي إسقاطات نفسية لأقلية عاجزة ومضطربة ومفسخة نفسيًا؛ لأن المطالبة بالحقوق لا تتعارض مع الإيمان الحقيقي، بل إنها جزء منه، والشهادة للحق هي من سمات المؤمن الحقيقي.

الأقباط في مأزق نفسى حقيقي، ولهذا يتاجر بهم المتاجرون، فمع كل حادثة طائفية تقع للأقباط، وما أكثرها، يلجأ الأقباط لعبارات التسكين والتخدير، من نوعية: (أنت مش من هنا .. أنت ليك وطن تاني)، و(في العالم سيكون لكم ضيق)، مع بعض الترويج لقصص الاستشهادات البطولية الخرافية، والتنعم بـالملكوت الأبدي، وتمني إكليل الشهادة، و(ياريتني كنت مكانهم)، و(يا بختهم راحوا السماء وعايشين في أحضان المسيح).

في حادثة البطرسية الأخيرة أرتفعت نبرة تلك الهلاوس والضلالات على مواقع التواصل الاجتماعي، فأجاب عليهم بعض العقلانيين: (يارب تشوفوا ولادكم شهداء مع الملايكة والقديسين، وتفرحوا بيهم في ملكوت السموات في الحادثة الجاية)، لتنقلب وجوه نفس الأقباط الذين يتغنون بتلك الهلاوس غيظًا وكمدًا.. ربما حري بهم أن يبحثوا عن طبيب نفسي متخصص في علاج الهلاوس الدينية.

على مدى الأربعين عامًا المنصرمة، لم تفلح كل الحوادث الطائفية ضد الأقباط أن تجعلهم يتخلوا عن ثقتهم اللامحدودة في الأمن والنظام، بالرغم من أنه لم يحدث ولا مرة واحدة، وأدين أي متهم في أي حداثة طائفية منذ أحداث الزاوية الحمراء عام 1981، مرورًا بأحداث الكشح عام 1999، انتهاءًا بتفجير كنيسة القديسين 2011 والكنيسة البطرسية 2016، ومع كل خيبة أمل في عدالة النظام، يزداد الأقباط تمسكًا به، محاولين الاستعاضة عن خيبة الأمل ببعض الغيبيات المثيرة للغثيان، والتي تعطيهم بعض الأمل حتى الاعتداء القادم، مثل أسطورة: ألسنة النار التي هبطت من السماء لتحرق بيوت المسلمين فقط حول قرية الكشح، أو أسطورة: أسراب الجراد الصحراوي الذي هاجم مصر منذ بضع سنوات كانتقام إلهي ساذج، بعدما أفضت عدالة النظام إلى براءة جميع المتهمين، حتى في حادث البطرسية الأخيرة، تغنى الأقباط المغلوبين على أمرهم بالإنجاز الأمني غير المسبوق في كشف الجاني في القضية، أي إنجاز أمني بعد مذبحة راح ضحيتها نحو 28 بريء بحزام ناسف، استطاع مدبرو العملية الحصول على المتفجرات والولوج بها بكل بساطة داخل القاهرة، وحتى ميدان العباسية، وعلى بعد كيلومترات قليلة من قصر الاتحادية ومقر الرئاسة، لينفذوا عمليتهم بسهولة قطع قالب من الزبد بسكين حاد؟

لاهوت التخدير الذي أرسى باباوات الكنيسة ومجمعها المقدس قواعده بعد يوليو (تموز) 1952، جعل أقباط مصر يتناسون عمدًا أن المسيح ذاته لم يرض بالذل والاهانة، ولم يحول الخد الآخر مثلما يوصي البابا أقباط مصر المظلومين، بل انتفض ضد الظلم، فعندما «لَطَمَ يَسُوعَ وَاحِدٌ مِنَ الْخُدَّامِ كَانَ وَاقِفًا، قَائِلًا: أَهكَذَا تُجَاوِبُ رَئِيسَ الْكَهَنَةِ؟ أَجَابَهُ يَسُوعُ: إِنْ كُنْتُ قَدْ تَكَلَّمْتُ رَدِيًّا فَاشْهَدْ عَلَى الرَّدِيِّ، وَإِنْ حَسَنًا فَلِمَاذَا تَضْرِبُنِي؟» – أنجيل يوحنا (18-22:23).

لاهوت التخدير الذي رسخ كهنة الكنيسة القبطية وأساقفتها أساساته، جعل أقباط مصر يتناسون عمدًا أن الرسول بولس تمسك بحقوقه المدنية كمواطن روماني حتى النفس الأخير، ولم يكتف بالصلاة والصوم والتضرع، ولم ينزو في صمت منتظرًا أن ينتقم له الرب كما يردد قادة الكنيسة في خطابهم المعلن للأقباط، فعندما تقدم رئيس الكهنة ووجهاء اليهود بشهادة زور ضده عام 63م لدى والي اليهودية فستوس، وأرادوا قتله غدرًا، قال بولس بكل قوة وشجاعة للوالي فستوس: «أَنِّي مَا أَخْطَأْتُ بِشَيْءٍ … إِلَى قَيْصَرَ أَنَا رَافِعٌ دَعْوَاي» – أنجيل اعمال الرسل (25:11) ، وهذا التعبير كان يستخدمه المواطن الروماني ليطالب بوقف القضية أمام الوالي فورًا، ليهرب المواطن الروماني من ظلم الولاة المحليين غير الرومانيين إلى قيصر روما ذاته بمرور السنين والعقود تناسى أقباط مصر مسيحهم الحقيقي وعبدوا مسيحًا آخر ممسوخ حسب هوى الدولة والنظام والكنيسة، مسيحًا لا يعرف إلا الخضوع والذل والعبودية، مسيحًا غير المسيح.
كان المسيح نجارًا كادحًا فقيرًا يرتدي رث الثياب أفقرها، كان ثائرًا على النظام، ومحرضًا ضد قيصر روما العظيم، قُدم للمحاكمة الظالمة بسبب تلك التهمة وحكم عليه بالصلب، كان متمردًا على الكتبة والفريسيين والسلطة الكهنوتية، ونعتهم بأولاد الأفاعي، فاتهموه بالإلحاد، وقالوا إنه مجدف على الله، كان يساري الهوى مناديًا بالعدالة الاجتماعية، بحسب ما قال: إِنَّ كُلَّ منْ لَهُ يُعْطَى ومنْ لَيْسَ لَهُ فَالَّذِي عِنْدَهُ يُؤْخَذُ مِنْهُ، كان مناهضًا لجشع الأغنياء، طرد المرابين من الهيكل، مؤكدًا أن مُرُورُ جَمَل مِنْ ثَقْبِ إِبْرَةٍ أَيْسَرُ مِنْ أَنْ يَدْخُلَ غَنِيٌّ إِلَى مَلَكُوتِ اللهِ؛ لأَنَّهُ مَاذَا يَنْتَفِعُ الإِنْسَانُ لَوْ رَبِحَ الْعَالَمَ كُلَّهُ وَخَسِرَ نَفْسَهُ؟ ونادى بفصل الدين عن الدولة قائلًا: أَعْطُوا مَا لِقَيْصَرَ لِقَيْصَرَ وَمَا لِلّهِ لِلّهِ.

بمرور السنون باتت المسيحية المصرية الحالية نسخة مشوهة للمسيحية الحقيقية، بعدما اختُزلت إلى مجرد طقوس وبخور وغيبيات، وحولت أتباعها إلى قطيع يسير مغمض العينين حول أي راعي يعده بالحماية والخلاص، وعلى مر العصور ظل الراعي يبحث عن مجده وشهرته وسطوته، ويربطها بالقائد والحاكم والزعيم، العسكري في معظم الأحوال، الذي يثبت سلطته على الأقباط من خلال صفقات أبعد ما تكون عن روح المسيحية.

عنوان المقال وبعض مقاطعه مشتقين من بعض حوارات وكتابات أ. مجدي خليل، مدير منتدى الشرق الأوسط للحريات.

هذا المقال يعبر عن رأي كاتبه ولا يعبر بالضرورة عن ساسة بوست

المصادر

كتاب "وطنية الكنيسة القبطية و تاريخها" الجزء الاول - للقمص أنطونيوس الانطوني
عرض التعليقات
تحميل المزيد