إن مشكلة العلاقة بين الأخلاق النظرية والأخلاق العملية ما زالت قائمةً بين الباحثين دون أيّ بتٍ في أمرها، بل لم يتفق على قولٍ فيها، إنها عالقة تنتظرُ حلًا، بل تنتظرُ إعناءً بالآراء ورافدًا بالأفكار، لأنها في اعتقادهم غير قابلةٍ للحل القطعي.

في هذا المقال سنستعرضُ تعريفًا عامًا لمفهومِ الأخلاق، والاتجاهات العامة حول مفهوم الأخلاق النظرية والأخلاق العملية ومدى تطابق المفهومين مع بعضهما البعض من الناحية النظرية والعملية.

أولًا: تعريف الأخلاق

تتعدد المفاهيم والتعريفات بشأن تعريف مفهوم الأخلاق وذلك حسب المدارس والفلسفات والاتجاهات السائدة آنذاك، إلا أن ما يهمنا في هذا المقال هو تعريف الأخلاق من الناحية اللغوية والاصطلاحية.

مفهوم الأخلاق لغةً

الأخلاق هي جمع خُلق وتستعمل للدلالة على علم معين، ويناظرها في اللغات الأوروبية كلمة (Morale) بالفرنسية و(Morals) بالإنجليزية و(Moral) بالألمانية و(Morale) بالإيطالية وهذه الكلمات مأخوذة من الكلمة اللاتينية (Mores) جمع (Mos.) ويناظرها في اليونانية وجمعها ومنها اشتقت الصفة، ومن الصفات جاء الاسم الأخير للأخلاق وهو Ethica في اللاتينية،ethique  في الفرنسية،ethics  في الإنجليزية،ethic  في الألمانية، وفي الإيطالية  Ethica.[1]

وفي اللغة العربية جاء معنى الأخلاق بمعنى حسن التقدير والحكمة، ويشتمل الخُلق على هيئة جميلة، ومن هنا جاءت كلمة خُلق بمعنى السجية والطبع والمروءة والدين.

مفهوم الأخلاق اصطلاحًا

نقتصرُ في هذا المفهوم على تعريفين اثنين فقط وهما تعريف عبد العزيز أحمد، والإمام الغزالي.

يعرف عبد العزيز أحمد في كتابه: «مبحث في نظريات الأخلاق» الخُلقَ بأنه عادة الإرادة يعني إذا اعتادت شيئًا فعاداتها هي المسماة بالخلُق، فإذا اعتادت الإرادة العزم على العطاء سميت عادة الإرادة هذه خُلق الكرم، أو ميلٍ من الميول يغلب على الإنسان باستمرار، فالكريم هو الذي يغلب عليه الميل إلى العطاء، ويضيف بأن الخُلق صفة نفسية وليس شيئًا خارجيًا، أما المظهر الخارجي للخلقُ فيسمى السلوك أو معاملة، والسلوك دليلُ الخلق ومظهره، فإذا رأينا مُعطيًا يعطي باستمرار في الظروف المتشابهة استدللنا من ذلك على وجود خلق الكرم عنده.[2]

أما الإمام الغزالي فله تعريفٌ مغاير لتعريف عبد العزيز أحمد، فيذهب في تعريف الأخلاق بأنها تكيف النفس وردها إلى ما رسمته الشريعة وخطه رجال المكاشفة من كبار الإسلام ومن سبقهم من الأنبياء والمرسلين.[3]

نلاحظ من تعريف الغزالي للأخلاق بأنه متأثر جدًا بالشريعة الإسلامية، فهو يربط بشكل لا ينفصل الأخلاق بالدين، فتحقيق الغاية من أجل الوصول إلى الآخرة هو خير الأعمال التي توصلنا إلى النجاة يوم القيامة.

ثانيًا: الأخلاق النظرية والعملية

عند الحديث عن الأخلاق علينا أن نميز بين وجهين للأخلاق، أحدهما نظري والآخر عملي، فالأول يضع الأسس والمبادئ والنظريات التي يستند إليها السلوك الإنساني، والثاني عملي يبحث في التطبيقات العملية لهذا السلوك، داخل كيان عيني محدد.

الاتجاهات العامة حول  تفسير مفهوم الأخلاق النظرية

عند الحديث عن مفهوم الأخلاق النظرية لابد لنا أن نقف قليلًا عند عملاقين اثنين من عمالقة الفلسفة النظرية المثالية للأخلاق، ألا وهما:

*إمونويل كانط الذي ينفي عن الأخلاق خضوعها للتجربة، على اعتبار أن الجانب الذي يتعلق بالتجربة لا يندرج تحت مفهوم الأخلاق، وإنما يندرج تحت نطاق الأنثروبولوجيا العملية والتي تعني عند كانط أساسًا علم الطبيعة الإنسانية كما تقدمها لنا التجربة، والتي تبحث في الملكات الإنسانية من حيثُ قدرتها على تحقيق سعادة الإنسان، وتنمية مهاراته العملية عن طريق التربية والتهذيب وهي بوجه عام تتعلق بموضوعات أفعال الإنسان.

*الاتجاه الآخر المناقض تمامًا لكانط ألا وهو ليفي بريل؛ الذي هاجم الأخلاق النظرية بشدة قائلًا: إن الأخلاق النظرية تعتبر نفسها نظرية وعملية في نفس الوقت، وهذا فاسد منطقيًا حسب رأي ليفي لأن الأخلاق النظرية دائمًا معيارية، ولهذا فهي لا تكون نظرية بالمعنى الصحيح، وذلك لأن النظري يصف ويصدر أحكامًا واقعية، بينما المعياري يصدر أحكامًا تقويمية تأمر بكذا وكذا، ولا يمكن الجمع بين النظري والتقويمي، وبين الواجب والتقرير للواجب، ومن المستحيل وضع نظرية لما يجب أن يكون وإنما توضع النظريات لتفسير ما هو كائن.[4]

الاتجاهات العامة حول تفسير مفهوم الأخلاق العملية

نتطرق في هذا الاتجاه إلى رائدين اثنين من رواد الأخلاق العملية ألا وهما:

*الجاحظ:-  يميلُ الجاحظ إلى اعتبار الأخلاق الاجتماعية أو الأخلاق العملية المقارنة للسلوك الاجتماعي اليومي المرتبطة بالحياة الضرورية إنما هي خبرة تراكمية تنتقلُ من حينٍ إلى آخر عبر وسائط مختلفة. ويضربُ مثالًا على ذلك حاجة الناس إلى أخبار من سبقهم حاجة ضرورية فهي صفةٌ لازمة في طبائعهم، وخلقةً قائمة في جواهرهم، وثابتة لا تزايلهم، ومحيطة بجماعتهم ومشتملةٌ على أدناهم وأقصاهم.

فالأخلاق الاجتماعية أو العملية من وجهة نظر الجاحظ تمثلُ ضربًا من العلاقات التعاونية القائمة بين الناس والتي بموجبها لا يستطيع أحد الاستغناء عن الآخر، فهي تمثل حالة من عرى الوثاق والتآزر والتفاهم والتعاون البنّاء الذي يفضي إلى قيام مجتمعٍ متعاضد لا يستقوي أحدٌ على الانفراد به أو الانقضاض عليه.

بينما نرى الاتجاه الآخر الأقرب لشخصية الجاحظ ألا وهو جورج جورفيتش عندما دعا إلى إقامة تطابق بين الأخلاق النظرية والعملية، وهو في ذات الوقت يناقض صراحة وعلانيةً أفكار ليفي بريل إلى نفي الأخلاق النظرية، وهذا ما حدا بجورج فيتش إلى بناء علم اجتماع الأخلاق والذي يعنى بدراسة أنواع السلوك الإرادي، والتي يمكن أن نشاهد جميع تحولاتها الخاصة مشاهدة خارجية بصورة جمعية خلافًا لليفي بريل الذي اعتبر الأخلاق النظرية أخلاقًا مشخصة حركية، وثيقة الاتصال بالحياة والعمل، بمعنى آخر أنها أخلاق تعددية بالمعنى الدقيق، وتجريبية بالمعنى الصحيح.

بعد الاطلاع على الاتجاهات العامة لرواد النظرية الأخلاقية والعملية لمفهوم الأخلاق، لابد من بيان التعرف لمدى تطابق المفهومين من الناحية النظرية والعملية.

رأي الكاتب

لا يمكن الحديث من الناحية النظرية عن إمكانية حدوث فصلٍ تام لمفهوم الأخلاق النظرية عن مفهوم الأخلاق العملية، فكلاهما مكملان لبعضهما البعض، والشواهد على ذلك كثيرة. ولعلي أضرب مثالًا واقعيًا من البيئة المعاشة ألا وهو قيم الصدق والوفاء والإخلاص وغيرها من القيم التي اكتسبناها وعايشناها منذ أمد بعيد.

فقيم الصدق والوفاء والإخلاص هي قيمٌ نظرية إرادية تنبع من داخل أيّ إنسان يعيشُ داخل أيّ مجتمعٍ من المجتمعات، لكن ترجمتها إلى الناحية التطبيقية أو العملية هو الأهم، وهذا لا يدفعنا إلى نفيها مطلقًا عن الواقع أو البيئة التي نعيشُ بداخلها، وحتى نستطيعُ ممارستها لابد من صفة الالتزام والاقتناع بها وإلا ستصبحُ مجرد قيمٍ هامشية مجردةٍ لا تسمن ولا تغني من جوع.

فحتى نستطيعُ أن نكسب الأخلاق النظرية أكثر حيوية والتزامًا فعالًا لابد من الإيمان بها وممارستها ميدانيًا على أرض الواقع، وإلا فما فائدة الصدق إذا لم يمارسْ ويؤتِ ثماره بين بني البشر وينجمُ عنه المحبة والوفاء وأن تزداد العلاقات بين الناس أكثر وثوقًا والتزامًا.

خلاصة لما سبق فإنني أستطيع القول بأن الأخلاق النظرية والعملية عبارة عن خطين مستقيمين لا يمكن لأحدهما الانحراف أو الميل إلى الجهة الأخرى، وهذا من شأنه أن يؤثر على السلوك وردَّات الفعل لدى البشر، فكيف لنا أن نؤمن بالصدق مجرد أقوال بدون أفعال تطبيقية نستطيعُ ترجمتها ميدانيًا على أرض الواقع بدون الإيمان بها والاقتناع بممارستها، حتى نكون أنموذجًا وقدوةً حسنة لمجتمعٍ ينشدُ أبناؤه ومريدوه الالتزام الفعلي بالأخلاق قولًا وفعلًا.

مهما تبدلت الأحوال وتغيرت السنون، إلا أن القيم الأخلاقية تبقى ثابتة ولا يمكن أن تتغير، أما السلوك الإنساني والأفعال الناتجة عنه هي ما تستطيعُ أن تحافظ على تلك القيم وتعطيها مزيدًا من البقاء والديمومة حتى لا تكون عرضة للانفصال والتشرذم والاندثار عن الحياة العامة للبشر.
____________________________________________________________________________________________

[1] بدوي، عبد الرحمن، الأخلاق النظرية، وكالة المطبوعات: الكويت، 1975م، ص7.

[2] عبد العزيز، أحمد. مباحث في نظريات الأخلاق، دار الفكر العربي: عابدين،1965م، ص63-ص64.

[3] زكي، مبارك. الأخلاق عند الغزالي، مطبعة الرحمانية: القاهرة، 1977م، ص160.

[4] عبد الرحمن بدوي، الأخلاق النظرية، مرجع سابق. ص25-ص26.

هذا المقال يعبر عن رأي كاتبه ولا يعبر بالضرورة عن ساسة بوست

عرض التعليقات
تحميل المزيد