بُعيد انتهاء العملية الانتخابية، تكون نسبة المشاركة في الاقتراع أول الأرقام التي يتوفر عليها المتابعون والمحللون، ويعتبر هذا المعطى من أهم المؤشرات المساعدة على تقييم مدى نضج الممارسة الديمقراطية. وقد أسفرت انتخابات السابع من أكتوبر عن مشاركة 43% من الكتلة الناخبة المسجلة في اللوائح الانتخابية (حوالي 6,7 مليون مصوت)، ما اعتبر تراجعًا عن نسبة 45% المسجلة في انتخابات2011،  ومؤشرًا على ضعف اهتمام المغاربة بالعملية الانتخابية والمشاركة السياسية. إجمالًا يمكن القول إن الوضع الحالي ناتج عن تراكب مجموعة من الأسباب والممارسات على امتداد تاريخ التجربة الديمقراطية المغربية، والتي شكل «الربيع العربي» وما تلاه من دستور جديد، نصَّ على آلية جديدة في تعيين رئيس الحكومة؛ حافزًا لإحياء المشاركة في العملية السياسية (نسبة المشاركة في تشريعيات 2007 لم تتجاوز 37%)، غير أن النسبة المحققة يوم الجمعة الماضي تدفعنا لطرح تساؤلات مشروعة حول مسبباتها      وتحديد درجة المسؤولية بالنسبة لكل فاعل في الحياة السياسية المغربية.

في واقع الأمر فإن عدد المواطنين المغاربة الذين يكفل لهم القانون صفة ناخب (18 سنة فما فوق) يقارب 24 مليون ناخب مفترض، لم يسجل منهم في اللوائح سوى 7ـ15 مليون ناخب، مما يقزم نسبة المشاركة المسجلة في انتخابات السابع من أكتوبر لحوالي 28% فقط. وتنقسم فئة المقاطعين للعملية الانتخابية إلى متبنين للموقف عن قناعة سياسية (في غالبيتهم غير مسجلين في اللوائح الانتخابية لغياب الظروف السياسية الموضوعية المناسبة في نظرهم للمشاركة) وآخرين بناء على حكم مجتمعي جاهز بعدم جدوى الانتخابات في تغيير الواقع واعتبارها مجرد مطية للسياسيين لقضاء مصالحهم الخاصة، وهكذا فإن أصواتهم غير محتسبة أصلًا لعدم تسجيلهم في اللوائح الانتخابية أو تشكل 57% من المتغيبين عن  التصويت يوم الاقتراع. وسواء بالنسبة للفئة الأولى أو الثانية من المقاطعين، فإن مسار العمل السياسي الحكومي أو الحزبي عمق الهوة بينهم وبين المشاركة وفق الظروف الحالية، حيث لام الكثيرون رئيس الحكومة المغربية السيد عبد الإله بنكيران لتقديمه الكثير من التنازلات وتقليص سلطه الدستورية مقابل توسيع سلط الملك ومحيطه (التعيينات في المناصب العليا وصرف ميزانية صندوق التضامن الفلاحي مثالان)، بينما انخرطت الأحزاب السياسية في لعبة شخصنة الصراع وتخلت المعارضة عن دورها الرقابي في المحطات الهامة (تمرير قانون التقاعد في مجلس المستشارين) مما أعطى الانطباع بتقيد القرار الحزبي بتوجيهات خارج دوائره المفترضة وفصلها عن أجندات الحزب وقواعده.

من جهة ثانية، تشكل الحملة الانتخابية فرصة مواتية لإظهار قوة التنظيم الحزبي ومدى انخراطه في تأطير المواطنين سياسيًا، غير أن الواقع كشف عن ضعف كبير للعمل الحزبي بحيث إن الترشيحات خضعت في الكثير من الحالات للولاءات والانتماءات القبلية والقدرة المادية للمرشح، ناهيك عن ظاهرة الارتزاق الانتخابي للمشاركين في تنشيط حملات المرشحين؛ مع ضرورة الإشارة إلى حزبي العدالة والتنمية وفيدرالية اليسار الديمقراطي باعتبارهما حزبين منظمين ومهيكلين ابتعدا عن الممارسات المذكورة في حملتيهما الانتخابيتين. وقد ازدادت الصورة قتامة مع عودة سلوكات من العهد البائد، حيث لم تكتف السلطة بموقف الحياد السلبي تجاه استعمال المال، بل قامت في كثير من الحالات بالحث على التصويت لفائدة مرشحين معينين، ورخصت للمسيرة المشبوهة في مدينة الدار البيضاء ضد حزب العدالة والتنمية مما نمى مشاعر الحنق والغضب وتكريس صور عدم جدوى المشاركة للمقاطعين.

من الناحية اللوجستيكية، دأب المغرب على تنظيم المواعيد الانتخابية يوم الجمعة، وهو يوم عمل بكل المصالح الإدارية والاقتصادية. فرغم التنصيص القانوني على حق المواطنين في الاستفادة من ساعتين على الأقل خلال الدوام ليتمكنوا من ممارسة حقهم الدستوري في التصويت، فإن اختيار هذا اليوم من الأسبوع يثير عائقين أساسيين؛ أولهما تزامن إمكانية التصويت خلال فترة الظهيرة مع صلاة الجمعة، واستمرار توقيت العمل في الكثير من المؤسسات إلى حدود الساعة السادسة مما يضيع الفرصة على كثير من الراغبين في المشاركة فرصة تحقيق ذلك لبعد المسافة بين مقرات العمل ومحلات الإقامة. كما وردت شكاوى كثيرة تهم سوء توزيع الناخبين على مراكز التصويت وتحميلهم مشاق التنقل إلى مراكز أبعد عن تلك المتواجدة بالقرب من عناوين إقامتهم.

في واقع الأمر، نسبة المشاركة الضعيفة التي تم تسجيلها خلال انتخابات 7 أكتوبر الأخيرة تدعو جميع الفاعلين من أحزاب سياسية وسلطات حكومية إلى ضرورة تحمل مسؤولياتها بهذا الخصوص، والقيام بتقييم موضوعي للعملية الانتخابية والمنهجية التي يتم اعتمادها، على أمل الرفع من مستوى الوعي السياسي للمواطنين بعيدًا عن الحملات الإعلامية المنفرة، وتبني مقاربة قانونية زجرية تتيح التنافس الانتخابي الشريف، وتساعد على تشكيل حياة سياسية حرة ونزيهة. العزوف واقع معيش وتغييره يتطلب إرادة جماعية لكل الفرقاء، فهل يمتلكون حقًا هذه الإرادة؟

هذا المقال يعبر عن رأي كاتبه ولا يعبر بالضرورة عن ساسة بوست

عرض التعليقات
تحميل المزيد