يبدو أن  السباق الرئاسي الأمريكي  الذي يشرف على نهايته،  والمنحصر بين الديمقراطية «هيلاري كلينتون» والجمهوري «دونالد ترامب»، في هذا الشهر الأخير تتضاءل الأحلام الرغبوية، وتتراكم الحقائق واستطلاعات الرأي، وهي اليوم ترجح – أكثر من أي وقت مضى – أن نتيجة هذا السباق لن تكون مفاجئة أو غير متوقعة، فمن المنتظر أن تصبح كلينتون الرئيس القادم للولايات المتحدة الأمريكية؛ وذلك لاسباب عدة ساعدها بها تاريخ ترامب المفزع وصفاته، والتي قد تفزع الأمريكيين والناخبين والمجتمع الأمريكي: الاقتصادي والسياسى والاجتماعي والعسكري، من ترامب: سريع الغضب، والمكروه من فصائل وقوى عدة في العالم والمجتمع الأمريكي ذاته، ولذلك نرى أن هناك عددًا من الأمور الهامة والحيوية التى تجعل كلينتون قريبة أكثر من أي وقت مضى من البيت الأبيض، كأول سيدة تقود أكبر دولة في العالم.

 

ولذلك نرى أن الحزب الديمقراطي  اكتسب خلال السنوات الثماني التي شغلتها إدارة «أوباما»، شعبية جيدة، مقارنة بالإدارة الجمهورية السابقة التي خلفت كارثتين ضخمتين، تعتز الإدارة الديمقراطية الحالية أنها أتت في وقت صعب، واستطاعت تدارك معظم آثار أزمة العقارات وتأمين عودة الجنود الأمريكيين من العراق إلى أهلهم وذويهم.

 

كذلك فقد حققت إدارة أوباما إنجازًا حينما رفعت في يونيو (حزيران) 2015 مذكرة إلى المحكمة الدستورية العليا تطالب بالنظر في «عدم دستورية منع الزواج مثلي الجنس» في سابقة تاريخية أدت إلى تشريع زواج المثليين في الولايات المتحدة بأسرها، صحيح أن هذا أثار موجة من الرفض المقابل في أوساط مسيحية متشددة، إلا أنه بعد مضي عام أو أكثر يبقى هذا الأمر تفصيلًا بالنسبة إلى الجمهور المخالف، فيما يمنح نقطة لكسب ما هو أكبر من مجتمع المثليين والمتحولين LGBTQ وحسب، بل كذلك أنصار الحريات العامة، ومدافعو حقوق الإنسان.

 

 

ويمثل المجمع الانتخابي كتلة من الأصوات المبنية على أساس الولايات، بما في ذلك ولايات اعتادت تاريخيًا أن تصوت لمرشح حزبها على مر السنين. إن كتلة الولايات التي تدعم المرشح الديمقراطي تشكل اليوم 214 صوتًا من المجمع الانتخابي، فيما تشكل كتلة الجمهوريين 175 صوتًا، أما الولايات «الترجيحية»، فهي التي ستكون ذات أهمية كبيرة في كسب أصواتها لصالح هذا المرشح أو ذاك، وصولًا إلى الرقم 270 الذي يصل بالمرشح إلى البيت الأبيض، إن هذا العامل لطالما بقي ثابتًا في الانتخابات الرئاسية، لكن يبدو أن كلينتون لن تجد صعوبة كبيرة في إدراك هذا الرقم تنافسًا مع ترامب.

 

 

يزخر خطاب كلينتون بالإحالة إلى خلفيتها الاجتماعية المتواضعة وأسرتها البسيطة، والتذكير الدائم بالانتماء إلى هذه الطبقة والمطالبة بحقوقها، ووصم ترامب بأنه المرشح «الرأسمالي» المدافع عن حقوق الأغنياء الـ 2% في الولايات المتحدة، وحفظ مصالح رؤوس الأموال الضخمة بمن فيهم هو نفسه، كان هذا العامل أحد الأسباب المؤثرة في المناظرة الأولى، في الوقت الذي يزخر فيه خطاب ترامب بالتعالي والفوقية، والتباهي بإمبراطوريته المالية وثرائه ونفوذه، وبكونه يستعد لإدارة البلاد كما لو كانت شركة تجارية، ويؤكد «لكم أن تثقوا بأنني ناجح جدًا في ذلك، وازدهار أعمالي خير مثال».

 

 

وبالرغم من التأثير غير الكبير نسبيًا، ثمة أهمية لكون كلينتون أول امرأة تصل إلى السباق النهائي لمرشحي الرئاسة؛ مما يضفي حيوية أكثر إلى أهمية دعمها كي تصبح أول امرأة تشغل منصب الرئاسة في الولايات المتحدة الأمريكية، إن تسويق هذا الفوز على أنه فوز لقيم «الحرية» و«العدالة الاجتماعية»، هو أمر متوقع وسائد، وقد أدى حراك مشابه دورًا جيدًا في نجاح الحملة الأولى للرئيس الأمريكي باراك أوباما؛ بوصفه أول إفريقي أمريكي يصل إلى السباق الرئاسي، يمكن القول إن ثمة جمهور لا بأس به يعتبر التصويت لكلينتون انتصارًا للمرأة في البيت الأبيض.

 

 

كان الحزب الجمهوري قد عانى الأمرين في خضم الترشيحات الحزبية لإقصاء ترامب عن الوصول إلى السباق النهائي، وهي جهود باءت بالفشل لأسباب عدة، من المتوقع لهذا الانقسام الملحوظ في صفوف الحزب الجمهوري حول شخصية ترامب ونضجه السياسي أن يضعف من حظوظ ترامب في حصاد أصوات الجمهوريين أنفسهم، خصوصًا إذا احتسبنا كثيرًا من الشخصيات التي تعرضت لهجوم كلامي من ترامب في السابق، بالإضافة إلى جميع أنصار ومحبي هؤلاء، لا يمكن القول أن ترامب هو «مرشح الحزب الجمهوري» بملء الفم، فعلاقاته حتى ضمن الحزب مشوشة ومتقلقلة، ولا شك أن قسمًا لا بأس به من الجمهوريين لن يجد في ترامب مرشحه الأفضل.

 

شير الإحصائيات إلى أن 30% من الأمريكيين على الأقل يعتبرون المناظرات مفصلًا هامًا في اتخاذ القرار بالتصويت، وبالرغم من أن ثمة مناظرتين أخريين قبل الموعد النهائي للانتخابات، فإن المناظرة الأولى شكلت انطباعًا قويًا لدى كثير من الجمهور الأمريكي بعدم استقرار ترامب وعنجهيته أمام الإعلام؛ مما سمح برفع أسهم كلينتون بأربع نقاط بعد المناظرة الأولى، مع العلم أنها كانت عمومية، ولم تتطرق إلى التفاصيل الدقيقة للسياسة الخارجية والداخلية، بينما عززت المناظرة الثانية هذا التفوق بما لا يقاس، جدير بالذكر أن إحدى زلات لسان ترامب في المناظرة الأولى قد كلفته الكثير، حينما اعترف دونما قصد أنه لا يدفع أية ضرائب إلى الحكومة الفيدرالية، فيما قضى المناظرة الثانية وهو في موقف الدفاع.

 

 

منع ترامب حتى الآن اثنتي عشرة صحيفة وموقعًا من تغطية المناسبات التي تُنظّمها حملته الانتخابية؛ بسبب عدم توافق هذه المؤسسات مع دعايته ومواقفه، أو بسبب انتقادها ومهاجمتها له، هذه الصحف هي «غوكر»، و«باز فيد»، و«هافينغتون بوست»، و«ذا ديلي بيست»، و«ذا دي مون ريجيستر»، و«فورين بوليسي»، و«بوليتيكو»، و«فيوجن»، و«يونيفيجين»، و«ماذر جونز»، و«ذا نيو هامبشير يونيون ليدر»، وأخيرًا «واشنطن بوست»، وهو إجراء لم يسبق أن قام به أي مرشح للرئاسة الأمريكيّة من قبل؛ مما دفع هذه الصحف إلى إطلاق «هاشتاغ» ساخر #bannedByTrump.

 

كذلك يتعرض ترامب لهجوم دائم بسبب مواقفه من حرية الصحافة واعتبار أن من الخطأ السماح للصحافة بنشر ما تريد إلا إذا كان صحيحًا، الأمر الذي استقبله كثير من الصحافيين بالتنديد واعتبار موقف ترامب وصفة جاهزة للديكتاتورية التي تسعى لإملاء ما هو صحيح أو خاطئ، فيما خصصت «واشنطن بوست فريقًا من الصحفيين لتأليف كتاب عن ترامب يصدر العام القادم.

 

في بعض من استطلاعات الرأي، يشاع أن ترامب يحقق تقدمًا على هيلاري كلينتون بواقع 51% مقابل 42% في أوساط الناخب الأبيض الأمريكي، لكن الأقليات العرقية والدينية الموجودة في أمريكا تميل بشكل كبير إلى التصويت ضد ترامب؛ نتيجة تصريحاته الاستعلائية والكارهة للمهاجرين والأقليات، وعلى ذلك ينبغي عدم التقليل من شأن تلك الأقليات، وعلى وجه الخصوص السود الأمريكيين الذين يشكلون 13% من العموم الأمريكي، والهيسبانيين الذين يشكلون 12% كذلك، بالإضافة إلى كتلة من المسلمين الأمريكيين الذين يبدون الأبعد تمامًا عن التصويت في صالحه.

 

عبرت 16 صحيفة أمريكية على الأقل عن دعمها لكلينتون علانية، لعل أهمها صحيفة «وول ستريت جورنال»، وصحيفة «نيويورك تايمز»، التي ترى أن كلينتون «تستطيع مواجهة التحديات التي تواجه البلاد»، وأنها «أظهرت قدرًا كافيًا من الثبات والحكمة والجرأة»، كما تعتبر ترامب «المرشح الأسوأ في تاريخ الانتخابات الرئاسية الأمريكية».

 

بعض هذه الصحف التي عبرت عن دعمها لكلينتون تشكل صدمة للجمهور الأمريكي عمومًا؛ فصحيفة «إنكويرر» – التي صرحت بدعمها كلينتون – لم تدعم أي مرشح ديمقراطي منذ 126 عامًا، كما أن صحيفة «يو إس إي توداي» – التي لم تدعم أي مرشح رئاسي منذ تأسيسها – قد هاجمت دونالد ترامب مرارًا، واصفةً إياه بـ«غير المستقر» و«الكاذب المتسلسل»، ولو لم تكن قد أعلنت صراحة دعمها لكلينتون، أما مجلة «فوربس» المتخصصة في الشؤون المالية، فقد سخرت من ترامب حينما نشرت قائمة أغنى الأغنياء في الولايات المتحدة تحت عنوان «14 مهاجرًا في قائمة الأربعمائة أغنى من ترامب».

 

ستتم انتخابات الفئة الثالثة من مجلس الشيوخ في يوم الانتخابات الرئاسية بالضبط، وهي ما يتجاوزه أو يتناساه الكثير من المعلقين على مسألة الانتخابات الرئاسية، ففي الثامن من نوفمبر (تشرين الثاني) يستقيل 34 عضوًا من مجلس الشيوخ منهم 24 من الجمهوريين و10 من الديمقراطيين؛ لملء الفراغ والحفاظ على الأرجحية في مجلس الشيوخ. على الجمهوريين إعادة ملء الشواغر بواحد وعشرين مقعدًا أو أكثر، في حين يستطيع الديمقراطيون تحقيق الأغلبية وسحبها من الجمهوريين بخمسة عشر مقعدًا فقط (منها مقعد مضمون أصلًا بتنافس مرشحين ديمقراطيين عليه في كاليفورنيا).

 

بالنسبة للجمهوريين، يبدو أن هذه الانتخابات هي الأجدى والأهم للتركيز عليها، في ظل التصريحات والتصرفات غير المتوقعة للمرشح الجمهوري دونالد ترامب وأدائه الذي يحصد الكثير من الأعداء، من الأهم للجمهوريين ضمان أغلبية مجلس الشيوخ لتحقيق توازن لا بد منه مع إدارة البيت الأبيض؛ مما يجعل من موقف الحزب الجمهوري مشتتًا وبادي الهشاشة.

 

كل هذه العوامل مجتمعة لا تعني تحقيق نصر ديمقراطي ساحق على الجمهوريين بكل تأكيد، لكن الأيام القادمة لن تحمل الكثير من الأمل لترامب في حربه التي خلق معظم أعدائه فيها بنفسه، وما لم تحصل معجزة ضخمة خلال الشهر القادم، فمن غير المحتمل أن تكون الحظوظ في صالح ترامب.

 

هذا المقال يعبر عن رأي كاتبه ولا يعبر بالضرورة عن ساسة بوست

عرض التعليقات
تحميل المزيد