تعلم الشعوب العربية والإسلامية جيدًا أن حكوماتها تتعامل مع الكيان الصهيوني اقتصاديًّا، وسياسيًّا، وعسكريًّا، بل إن معظم الحكام الجاثمين فوق صدورنا تعيِّنهم إسرائيل وتساندهم وتدعمهم وتملي عليهم الأوامر والشروط، من أجل الحفاظ على كراسيهم؛ فالحكومات تنعم بالتطبيع كاملًا مع الكيان الصهيوني.

أما الشعوب فقد كانت بالأمس ضد التطبيع تمامًا، وترفض أي اعتراف بإسرائيل دولة وحكومة، وتعدها قوات احتلال غاشمة لا تعرف معنى السلام، وبيننا وبينها أكثر من ثأر ودماء لا تسقط بالتقادم.

ولكن إسرائيل ومن ورائها الحكام الخونة، اتخذوا من «الزن على الودان» وسيلة فعالة وخطيرة للتأثير في قناعات الشعوب العربية والإسلامية، وتغيير عقيدتهم وخلق أجيال لا تعرف شيئًا عن جرائمهم، خاصة، وأن الأحداث المتلاحقة التي تصدرت الأخبار قد وارت تمامًا أخبار ما يحدث في الأرض المحتلة، هذا في الإعلام المرئي والمكتوب، أما في الإعلام الرقمي ووسائل التواصل، فقد استعانت إسرائيل بكتائب إلكترونية مهمتها تجميل صورة إسرائيل، وجس نبض الشعوب العربية، وزرع أفكارها المسمومة في عقولهم، فصفحات مثل «إسرائيل تتكلم بالعربية»، وحساب أفيخاي أدرعي الذي يتحدث بالعربية ويكتب آيات قرآنية و«جمعة مباركة» و«رمضان كريم»، كلها صور خبيثة تزرع في وجدان الناس وجهًا مجملًا لكيان قميء مجرم لا يعرف أي شيء عن التعايش والسلام. ونظرة إلى مقدار انتشار هذه الصفحات وغيرها وتعليقات بعض الذين تأثروا بمثل هذه الصور تنبئ بخطورة تأثير تلك الحملات الموجهة للشعوب العربية.

وبعد انبطاح الدول التي سارعت إلى إعلان علاقتها المشبوهة مع إسرائيل، ولا أسميها ترفعًا عن لفظ أسمائها، فقد تحول الأمر إلى السعي الدؤوب لتجهيز طبقات أخرى من الشعوب العربية، ممن لا تصل إليهم أحداث مواقع التواصل الاجتماعي ونقاشاتها، ومن هنا بحث المنبطحون عن الوجه «السرسجي» الأكثر شعبية بين هذه الطبقات ليقوم بالمهمة، وهو أداة طيعة في يد النظام الذي ينعم بسلام «دافئ» مع إسرائيل، و«يهمه الإنسان ولو ملوش عنوان»، والحقيقة أن الفنان السرسجي هذا ومَن وراءه يعلمون جيدًا وقع هذه الصور على مواقع التواصل الاجتماعي، والضجة التي ستحدث حوله، ولو بالسب والغضب، يعرفون هذا جيدًا، ويعرفون أيضًا أن كل هذا الصخب يصب في مصلحتهم ويحقق مآربهم بالفعل؛ لأن هذا «النمبر وان» يعتمد أصلًا في التسويق لنفسه ولهراءاته على الطريقة ذاتها، وكلما زاد غضب الطبقات الكارهة له، تزيد أيضًا شعبيته في أوساط جمهوره، وتزيد مشاهدات ما يقدمه من إسفاف ممول من الجهات التي تقف وراءه وتستخدمه لأغراضها؛ فهو نوع رخيص من المخدرات التي يتعاطاها أمثاله، ونوع شديد من السم الذي يدسونه في أجيال وطبقات لا يريدون منها سوى أن تلغي عقولها وتسلم أصواتها لهم؛ فيضمنون بذلك ظهيرًا شعبيًّا جاهلًا مغيَّبًا في مواجهة الطبقة المثقفة المتعلمة التي تتآكل الآن بفضلهم، بالاختفاء القسري، بالإفقار، والتجهيل، بإفساد التعليم وتهميشه، بالقهر، بالإذلال، بغياب القدوة أو تشويهها، فالنشء الآن يفقد البوصلة الأخلاقية حين يرى أن الطريق إلى الثراء والشهرة والمكانة الاجتماعية طريق واحد يمر عبر ما يقدمه «نجوم المهرجانات»، وكلنا رأينا كيف اعتمد مرشحو مجلس النواب على المهرجانات في دعاياتهم؛ فهم يعرفون جيدًا الفئة التي يستهدفونها، ويعرفون «مزاجها».

لذلك فالتطبيع يسير على قدم وساق، ولم يعد بالإكراه أو بالبندقية، وإنما بالتكرار، تكرار كلمات بعينها، وصور بعينها، بل آيات قرآنية بعينها يحرفونها عن مواضعها ومعانيها، قاتلهم الله. فلم يكره أحد هذا الشخص على التقاط مثل هذه الصور، أو حضور حفل صاخب على أنغام موسيقى إسرائيلية، لم يكن يجهل أين هو ومع من، وما الهدف من وجوده بكل تأكيد، وليس كما يدعي ويكذب ويتبجح بكلام مستفز حتى بعد ما قيل من قرار شطبه من النقابة وتوقف عقد مسلسله الجديد، وإني لأشك في تنفيذ تلك القرارات، فالأمر لا يعدو مجرد امتصاص لحالة الغضب، وكذبه وكلامه وتبجحه وصورته بالمموه، كل ذلك يدل على أنها ستمر، وستستمر ألاعيبهم للنهاية.

وحين تتغلغل إسرائيل في كل شيء حولنا بالصوت والصورة، مع تهميش الدين ودوره، وسعيهم كذلك إلى «كياتة» الدين، وبناء المسلم «الكيوت» المتعايش والمُدافع عن حقوق الأقليات «المسالمة»، من المثليين والملحدين والذين يسبون دينه ورسوله، فلا عداوة ولا أعداء ولنحذف جرائمهم من التاريخ ونمحوها محوًا، عندها لن يبقى الدين، ولن يبقى الوطن، فلا إكراه في الدين (بالمعنى الذي يقصدونه)، ولا إكراه في التطبيع، فإنه سيأتي طواعية.

ولله الأمر من قبل ومن بعد.

هذا المقال يعبر عن رأي كاتبه ولا يعبر بالضرورة عن ساسة بوست

عرض التعليقات
تحميل المزيد