لطالما كانت تركيا دولة مهمة، فهي تقع في مكان استراتيجي بين آسيا وأوروبا، وقد حظيت بحظها المناسب من الصراعات والمؤامرات السياسية، وكل هذا في سبيل السيطرة على هذه الأراضي المهمة.

 

والآن، بعد مرور ما يناهز 100 عام على المقاومة الشرسة لقوات الاحتلال في الحرب العالمية الأولى ـ والتي أدت لصعود دولة جديدة من أنقاض الإمبراطورية العثمانية ـ تواجه الدولة معضلة جديدة، يسعى الجميع لتقف تركيا بجانبهم دائمًا، لكن عندما تطالبهم تركيا برد الجميل، فيكون ردهم متحفظًا وبحساب.

 

تركيا تحارب الإرهاب، ورد فعل حلف الناتو تجاه هذه المشكلة مثال جيد على ما نقول، حلف الناتو، والذي تم إنشاؤه في بداية الأمر لمواجهة خطر الشيوعية السوفيتية، كان يجب أن يتكاتف ويتوحد معًا عندما يتم مهاجمة أحد أعضائه. ويتوقع المرء من الناتو – وخاصة من الولايات المتحدة – أن تتوحد مع حليفتها تركيا ضد المنظمة الإرهابية الشيوعية بي كيه كيه – حزب العمال الكردستاني – وأذرعها بي واي دي – حزب الاتحاد الديمقراطي – وواي بي جي – وحدات حماية الشعب – لكن عندما تحول الأمر النظري لموضع التطبيق، لم تكن كل ردود الأفعال كما توقعها المرء.

 

استندت تركيا إلى المادة الرابعة من معاهدة حلف شمال الأطلسي ودعت الأعضاء للاجتماع لمناقشة الإرهاب الذي تواجهه الدولة. وقد كثفت بي كيه كيه وحلفاؤها – والذين قتلوا 40,000 شخص خلال الـ 35 عامًا الماضية خلال سعيها لإقامة دولة شيوعية في الجزء الجنوبي الشرقي من تركيا – من هجماتهم.

 

بالرغم من أن الولايات المتحدة كانت تصر على الحصول على دعم تركيا في كل معترك عسكري تدخله، لكن حينما طالبت تركيا بالمثل في حربها ضد حزب العمال الكردستاني، تغيرت نبرة الحديث تمامًا، وبحسب كلام مجلة إيكونيميست: “الاستناد إلى المادة الرابعة ذكّر الجميع أن تركيا عضو بحلف الناتو، لكن إذا أرادت تركيا التصديق على حربها ضد حزب العمال الكردستاني، لا يبدو أنها تحصل عليه”.

 

لكن لماذا؟ ما سبب هذا السلوك؟ هناك سبب وحيد لذلك وهو: أن الولايات المتحدة لم تعتبر تركيا عضوًا كاملًا في الناتو حقًا، ومرة أخرى نقتبس من مجلة إيكينوميست: “كانت تركيا عضوًا في الناتو منذ عام 1952، لكن أمريكا تميل لرؤيتها كرصيد استراتيجي بالغ الأهمية – أولًا ضد الاتحاد السوفيتي، وبعد ذلك في الصراعات في الشرق الأوسط – بدلًا من رؤيتها كشريك كامل العضوية”. هل هذا بسبب هويتها الإسلامية؟ من الممكن، لكن ربما يكون هذا سببًا وحيدًا من ضمن عدة أسباب.

 

السبب الثاني وهو السبب الأهم هنا، هو أن حزب العمال الكردستاني وأذرعه تعتبرهم الدولة العميقة في أمريكا أدوات مفيدة، وتماشيًا مع حلم قديم عمره قرن كامل بإعادة تشكيل منطقة الشرق الأوسط وتقسيم تركيا، فبعض رموز الدولة العميقة في امريكا لطالما ساندوا حزب العمال الكردستاني وذراعه حزب الاتحاد الديمقراطي، والأحداث الأخيرة جعلت من المستحيل إخفاء العلاقة غير المشروعة بينهم بعد الآن.

 

نعم، تركيا قادرة تمامًا على التعامل مع حزب العمال الكردستاني، وهجماته الجبانة، بواسطة جيشها الذي يُعد ثاني أكبر جيش في الناتو، فقد بادرت تركيا بأخذ رد فعل فوري ضد حزب العمال الكردستاني حين استأنف هجماته، ويتم الآن شن عملية واسطة النطاق لاقتلاع هذه المنظمة الإرهابية من جذورها.

 

اللجوء للمادة الرابعة كان بغرض التشاور فقط، ومع ذلك فقد خدم هذا غرضًا مهمًا: موقف اللامبالاة – تجاه تركيا – كان بمثابة إيقاظ قاسٍ، أظهر لتركيا أنها لا تستطيع الاعتماد دائمًا على الولايات المتحدة حينما يتعلق الأمر بحزب العمال الكردستاني وحزب الاتحاد الديمقراطي، وهما في الأصل المنظمة الإرهابية ذاتها.

 

لنفرض الآتي، إذا كانت الولايات المتحدة هدفًا دائمًا لمجموعة إرهابية تقتل مدنييها وضباطها وجنودها، وتفجر المباني وتحرق المدارس، وتخطف الناس؛ في محاولة لانتزاع جزء منها لتُنشئ عليه دولة شيوعية، كيف كانت ستتصرف الولايات المتحدة؟

 

الإجابة واضحة للجميع، ولهذا السبب من الخطأ أن يكون هناك ازدواج في المعايير، وخاصة مع الجماعات الإرهابية، لا يمكن أن يوجد ما يُدعى “إرهابًا جيدًا” و”إرهابًا سيئًا” أو “إرهابًا يمكن توظيفه”، الإرهابيون يحاولون تحقيق أهدافهم عن طريق العنف والترهيب، وهذا ضد المبادئ الأساسية للعالم الحديث.

 

ولهذه الأسباب ندعو الدولة العميقة في الولايات المتحدة إلى التخلي عن هذه العقلية، ولإظهار موقفها الحازم ضد جميع الجماعات الإرهابية، بما فيها حزب العمال الكردستاني وحزب الاتحاد الديمقراطي ووحدات حماية الشعب، ولتتذكر الأهداف الحقيقية للناتو.

هذا المقال يعبر عن رأي كاتبه ولا يعبر بالضرورة عن ساسة بوست

عرض التعليقات
تحميل المزيد