إن العقل كمفهوم؛ تميز واختصاص إنساني خالص، ومنحة تجلٍّ واقتدار خالقي، لا يتأتى المفهوم لمفهوم العقل إلا بواسطة العقل ذاته، ولا يؤدي المفهوم معناه إلا بواسطته ومن خلاله أيضًا، فهو آلة الفحص الخطيرة والتحري والتمييز الدقيق لذاته ولغيره. لعل الإشكال الذي طرقه السيد هابر ماس متعلقٌ بعمل العقل لا بتبديل العقل حيث لا تبديل أصلًا، وما العبارة التي أوردها إلا على سبيل المشاكلة اللغوية من زاوية، وتقسيم العقل وفرزه من زاوية أخرى إلى عقلٍ أداتي، وعقلٍ تواصلي أو معياري بتعبير الجابري، وهنا لا يمكن منافاة الرجل أو موافقته فيما ذهب إليه، وإنما يستلزم التوضيح والتفريق، وماهية المراد من العبارة، ومن ثم الوفاق أو الاختلاف، أو التفصيل، ولعلي ملزوزٌ للتفصيل، ولربما التأصيل.

إن الإنسان الذي لا يخلق نفسه من جديد لا معنى لوجوده كمعنى، ولا طائل من سعيه في غير ما طريق باذخة، خُلق لأجل أن يفتجرها في حال عدمها، ويختطها في حال وجودها دون جمالٍ أو جلال، ولا مناص من أن العقل أساس هذه الطريق؛ كالطريق إليها، يحفها بالغايات الثمان، ويبتغي فيها وإليها الحسان من الأقوال والأفعال، متفاعلًا؛ بل فاعلًا ومؤسسًا للمعنى.

ولكن ما الطريق؟

وهل البناء ضرورة، أم الغاية من البناء؟

وما المعنى؟

يُفترض أن الطريق اللاحبة الواضحة، تُرى في ظلال الإنسانية، لا خارج عن تلك الظلال الوارفة، وإن البناء لا يكون بواسطة الهدم، وإن المعنى هو الجامع الوحيد للغاية الحميدة والوسيلة الحميدة أيضًا. فالعقل الأداتي مثلًا لا يجد نفسه إلا في الاعتداء على الآخر، أيًّا يكن هذا الآخر، فلا يُبني إلا إذا هدم، ولا يعلو إلا إذا خفض، ولا يفعل إلا إذا تجاوز. الدافع الأول والوحيد في هذا المسار الغالط وفي هذا المسلك النزق المتهافت، النرجسية الشخصية، أو العصبية الفئوية، أو العرقية، أو الدينية. إلخ.

لا يختلف العقل الأداتي عن الجهل المحض، إلا في تسويغ الغاية، وتبرير الوسيلة، والمحاججة بالألفاظ في منأى عن المعني، في الوقت الذي يعمل العقل التواصلي أو المعياري على اختيار الوسيلة التي تنفع ولا تضر، والتي تشفع ولا تقمع، بغية الوصول إلى الغاية التي تحامي على حقوق الآخر، بصرف النظر عن مشرب هذا الآخر أو لونه أو جنسه.

هذه المفارقات الجوهرية في العقل الواحد، وفي الإنسان الواحد، فالجهل دون العمل بموجب هذه الجوهرة المسماة بالعقل زيادة في الوجود لا معنى لها، والأداتية إن جاز التعبير للعقل تُمثل تدنيًّا في الروح وخرقًا لمنظومة القيم، ومنحى استصغاري للفرد أو الجماعة التي تعمل على تلك الشاكلة.

لا بديل عن العقل إلا العقل، نفيًا للخاثر وتثبيتًا للزباد، نفيًا للأباطيل وموافقة للصحيح الراجح. يمكننا أن نفهم هذه العبارة على هذا النحو، ويمكننا أن نرفضها إذا كان نفي العقل يستلزم نفيًا عكسيًّا، إذ نلاحظ أن العقل ليس المستهدف في الأصل، وإنما القيم التي يحملها، فإذا كانت الوسيلة مطلقة غير مؤنسنة بغرض تحقيق غاية ما؛ فهذه هي العقلية المراد تبديلها أو بالأحرى التي يجب تبديلها، وإن كانت الوسيلة مؤنسنة بغرض تحقيق غاية ما، فهذه عقلية بديلة عن الأولى، أو بالأحرى يجب أن تكون البديلة؛ إذ إنها مقرونة إلى الصواب المطلوب، وإلى ظل الإنسانية الوارف.

من واجب الباحث معرفة ما وراء اللفظ، وبالتالي ما وراء العبارة، حتى يعرف المشكاة التي سطعت فيها، والبوتقة التي اختبرتها واستخرجتها في هذا القالب، لذا أوافق السيد هابر ماس مقولته إذا ما كان القصد منها تبديل العقل الأداتي بالعقل التواصلي، ولا يمكن أن أتوافق معه إذا ما كان القصد منها – أعني المقولة التي ساقها – تبديل العقل التواصلي بالعقل الأداتي، بالإضافة إلى ذلك؛ يمكنني القول: إن هذا الطرح لا يتسق مع نفسه، فقد استبدل العقل بالعقل وفي هذا الاستبدال كان العامل الأداتي لا العامل التواصلي، أي إن العقل الأداتي هو الذي قام باستبدال العقل الأداتي الآخر، ولم يكن العقل التواصلي إلا واجهة لهذا الاستبدال، وكان البناء في مكان الهدم، وكانت الغاية بواسطة وسيلة استبدادية استبدالية، مارست وتمارس حق الإلغاء والإقصاء، في الوقت الذي تنادي إلى أنسنة الغاية وأنسنة الوسيلة، والدعوة إلى الأرقى، والترفع عن الأدنى. إن هذا الحقل المعرفي الذي تتوغل فيه الألفاظ دون تمعن، يخون نفسه، ولربما أطلق الرصاصة على فكره، على أن المقصود خصوم الفكرة.

كطالب للمعرفة أقدر شخص الفيلسوف القدير هابر ماس، وجهوده الجبارة إزاء الإنسانية، فقد قضى الرجل كل حياته لا أقول جلها فحسب؛ في البحث والاطلاع، ومراكمة الخبرات والتجارب، على مدى تسعين عامًا، وأثرى مكتبة الدنيا بما يصل إلى خمسين مؤلفًا في كثير من العلوم والمعارف، ومع هذا فليس مقدسًا حتى لا ينقد، وليس بكامل حتى لا يصوب رأيه، فما قاله أو كتبه ليس حقيقة مطلقة، إذ لا حقيقة في هذا العالم النسبي، وأنّى للإنسان المحدود أن يشتمل على الكمال غير المحدود. التوافق على الأفكار لا يعني التوافق على الأشخاص، فهم عامل ثانوي أو يجب أن يكونوا كذلك، والعكس صحيح، والفكرة التي تصدر صوتًا لا يعني أن لها لسانًا، أو أن على عنقها جرسًا، بل قد تكون مجرد ضجيج اصطفاه لها التقليد، واغتر الدارس بجمال رسمها، أو اسم صاحبها.

هذا المقال يعبر عن رأي كاتبه ولا يعبر بالضرورة عن ساسة بوست

علامات

العقل, بديل

المصادر

عرض التعليقات
تحميل المزيد