يقول بعضهم إن من ينظر إلى خريطة نهر النيل في أفريقيا بين دول المنبع والمصب يلمح  صدفة عجيبة. ذهبت به إلى مصر عبر السودان، حيث يبدأ من دول المنبع أوغندا، وكينيا، وتنزانيا، وإثيوبيا، الرافدين الأساسيين النيل الأبيض والنيل الأزرق، حيث المناخ الاستوائي والهضاب والأمطار الكثيفة. هناك يلتقي النهران معًا في السودان، شاقين طريقهما نحو مصر لينتهي كل شيء ويبدأ كل شيء ويختلف المؤرخون. هل مصر هبة النيل أم النيل هبة مصر؟!

وأنا أطالع رائعة الكاتب السوداني الطيب الصالح «موسم الهجرة إلى الشمال» تذكرت ما أسماه جمال حمدان صاحب كتاب وصف مصر بعبقرية المكان. حيث هنا وادي النيل شيء لا يعرفه إلا من سكن على ضفاف هذا الوادي في مصر والسودان. فلنهر النيل سحر آخر وتأثير مختلف، لا يعرفه أهل البحار الواسعة في سوريا ولبنان. ولا حتى من يعيش على ضفاف دجلة والفرات. سحر لا أقصد أجمل أو أعظم، ولكنه حالة خاصة لا يعرفها إلا أهل مصر والسودان الذين هم واحد بالأساس.

وهنا تذكرت مصر والسودان، وكيف كنا وكيف أصبحنا. مصر والسودان المصير الواحد الذي ربما لا يعرف كثيرون عنه الآن سوى اسم شارع كبير وسط القاهرة! فكثير من المصريين لم يعرفوا أن هناك في الجنوب القريب حيث السودان، شاعرًا عظيمًا من أبناء النيل اسمه إدريس جماع يلقب بالشاعر المجنون. وهو لا يقل أهمية عن نزار قباني في الغزل والكثير من الأدباء الذين يضاهون واسيني الأعرج وغادة السمان أدبيًّا.

وذهبت بفكري بعيدًا عندما قرأت عن أحداث انفصال السودان عن مصر في منتصف القرن الماضي في عصر الرئيس المصري الأسبق جمال عبد الناصر، ضمن اتفاقية جلاء الإنجليز عن مصر. السودان التي كانت دائمًا حجر العثرة في مفاوضات جلاء الإنجليز عن مصر، قبل عام 1952، إذ رفض جميع زعماء ورؤساء وزراء مصر التخلي عن السودان مقابل الجلاء؛ لأنهم يعرفون ببساطة أن مصر والسودان شيء واحد، وهو ما لم يفهمه وقتها الزعيم جمال عبد الناصر!

بعد الانفصال أرادوا لمصر أن تذهب في جميع الاتجاهات شمالًا وشرقًا وغربًا، عدا الجنوب. ولا أعرف حقًّا ماذا أرادوا للسودان؟ لكني أعرف تمامًا أن السودان قد ضاعت يوم  انفصلت عن مصر، وقد كان هذا دلالة قوية على بدء العد التنازلي لمصر كأمة عظيمة!

فمصر أولى بالسودان، والسودان أولى بمصر. بل أذهب أبعد من ذلك وأقول إن مصر هي السودان والسودان هي مصر. وهنا أذكر ما ذكره السيد عمرو موسى وزير الخارجية المصري الأسبق في مذكراته أنه بعد محاولة الاغتيال التي تعرض لها الرئيس المصري الأسبق حسني مبارك في العاصمة الإثيوبية أديس بابا، وما قيل عن تورط أجهزة مخابرات الرئيس السوداني عمر البشير في تلك المحاولة الفاشلة. طلب منه أحد القادة العسكريين إعطاء أوامره بضرب الخرطوم ليرد عليه مبارك: «أتريدني أن أضرب القاهرة!»؛ فالرئيس الأسبق رغم ما يتردد عن فساده، كان لا شك وطنيًّا مخلصًا يعرف جيدًا ماذا تعني السودان بالنسبة لمصر.

وهو أيضًا ما كان يعرفه ويقدره جيدًا العقيد الراحل الدكتور جون قرنق. ففي زيارته التاريخية الأولى للقاهرة في تسعينيات القرن الماضي، التقى بالرئيس المصري الأسبق حسني مبارك في القصر الرئاسي وبعض رموز المعارضة، وكثير من المثقفين والفنانين. بالإضافة إلى ممثلي الجالية السودانية في مصر طارحًا رؤيته للسلام في السودان، مؤكدًا أنه يسعى ليس فقط لوحدة السودان، بل إنه يرى بعد إيجاد تسوية عادلة للنزاع في السودان علينا إيجاد طريقة لعودة وحدة مصر والسودان، ومنها إلى وحدة جميع دول حوض النيل؛ فالدكتور جون قرنق يعد بحق رائد قومية وادي النيل.

وتأكيدًا لتوجهاته سأله أحد الصحفيين هل حلايب وشلاتين مصرية أم سودانية؟ فأجاب بوضوح ومكر أن حدود السودان تنتهي في الإسكندرية وحدود مصر تنتهي في آخر مدينة في جنوب السودان!  وينهي بذلك التوجس الذي سبق زيارته بسبب ما تصدره الحكومة في الخرطوم عن نواياه الانفصالية المزعومة، ليدخل العقيد قلب مصر، وتدخل مصر قلبه وتتعدد زيارته لاحقًا حتى وافته المنية عام 2005.

لكن الدكتور قد رحل قبل أن يرى حلمه يتحقق لينقض الطامعون والانتهازيون من بعده على هذا الحلم ليحولوه إلى سراب. رحل حتى قبل أن يرى مشروع رسالة الدكتوراة التي حصل عليها بربط قناة جونجلي بالنيل يكتمل. رحل لحكمة لا يعلمها إلا الله، وإنا له لصاغرون!

هذا المقال يعبر عن رأي كاتبه ولا يعبر بالضرورة عن ساسة بوست

علامات

مصر
عرض التعليقات
تحميل المزيد