ثمّة حياة كانت عندما كان هناك سينما في غزة؛ يذهب الناس صغارًا وكبارًا إلى دار الحب يتلذذون بما يشاهدونه، تُدهشهم تلك الشاشة الكبيرة التي تعرض العديد من الأفلام المتنوعة. ربمّا لم يتسن لي معاصرة ذاك الزمن الجميل، لكنّي عاصرته بعيون أمي الحزينتين حين كانت تسرد لي عن تلك الأيام، أذكرُ كيف كان وجهها شاحبًا أنهكه المرض، ولكن لمعة الحزن كانت فقط بسبب الذكريات التي أصبح من المؤكد أنها لن تعود بعدما زار الموت هذه المدينة واستقر فيها، قالت لي ﺃﻣﻲ حينها: ﻟﻘﺪ ﻛﺎﻧﺖ ﺃﻳﺎم ﻣﺪﻫﺸﺔ ﻋﺸﻨﺎﻫﺎ ﻭﻋﺎﺷﺘﻨﺎ ﺑﺤﻖ، ﻛﻨّﺎ ﻧﺬﻫﺐ ﺇﻟﻰ ﺍﻟﺴﻴﻨﻤﺎ باعتبارها مصدﺭ ﺑﻬﺠﺔ لجميع من في هذا الوطن، ﻧﺒﺤﺚ ﻋﻦ ﺭﻓﺎﻫﻴﺘﻨﺎ فتكون هي ﺷﻐﻔﻨﺎ ﺍﻷﻭﻝ. كانت كلماتها المغطاة بالحنين كالسهم ﺃﺻﺎبتني غيظًا ﻓﻲ ﻧﻔﺴﻲ؛ ﻓﺄﻧﺎ ﺍﻟﺘﻲ ﻭُﻟﺪﺕ ﻓﻲ ﺟﻴﻞ لا واقع جميل فيه؛ أمنياتنا قتلها الانتظار، حتى الشغف الذي كنت أمتلكه والذي كان يملأ جيوبي حيال الكون ومفاتنه صار بلا روح.

لا شيء يبعث للأمل، الناس هنا موتى لم يُسجلوا بعد؛ أثقلتهم الهموم فالحقوق المدنية التي يجب أن تتوفر لهم بالمجان يدفعون ثمنها، إنّهم يدفعون ثمن كل شيء. تلاحقهم ﻓﻮﺍﺗﻴﺮ ﺍﻟﻜﻬﺮﺑﺎء المقطوعة التي لا تتعدى الساعات في اليوم الواحد، ﻭﺗﺰﻋﺠﻬﻢ ﺍﻟﺨﺼﻮﻣﺎﺕ ﺍﻟﺸﻬﺮﻳﺔ ﺍﻟﺘﻲ ﺗﻄﺎﻝ ﺭﻭﺍﺗﺒﻬﻢ، ﻓﻜﻢ ﻣﺰﺭ ﻫﻮ ﺍﻟﺤﺎﻝ، ﻭﻛﻢ ﺃﺻﺒﺤﻨﺎ ﺍﺳﺘﻬﻼﻛﻴﻴﻦ! ﻻ ﻧﻔﻜﺮ ﺇﻻ بساعات الوﺻﻞ لنحظى برﻏﻴﻒ ﺧﺒﺰ، ووصلة شحن. أيُّ حياة هذه! أيُّ وطن هذا! كثيرًا ما كنت أهرب من ضجيج الواقع إلى حضن أمي ﻷﺳﺄلها مجددًا ﺣﻴﻦ ﻛﺎﻧﺖ ﻣﺪﻳﻨﺘﻲ ﻏﺰﺓ ﺗﺤﺘﻮﻱ ﻓﻲ ﺳﺒﻌﻴﻨﻴﺎﺕ ﺍﻟﻘﺮﻥ ﺍﻟﻤﺎﺿﻲ ﻋﻠﻰ ﻋﺸﺮ ﺩﻭﺭ ﻟﻠﻌﺮﺽ ﺍﻟﺴﻴﻨﻤﺎﺋﻲ، هل كان ﺍﻟﻨﺎﺱ ﺳﻌﺪﺍء حقًا ﺑﺎﻟﺴﻴﻨﻤﺎ؟ فتجيبني بكل ثقة: ﺑﺎﻟﻄﺒﻊ.. فقد كانت أجمل أيامنا، لم يكن لدينا ما يشغلنا وقتها، كنا نلهو بلا هموم تؤرقنا!

حاولت أن أجد منها سببًا غيّر حالنا وأغلق علينا باب الحياة أقصد ﺍﻟﺴﻴﻨﻤﺎ، فأجابت ﺃﻥ ﻏﺰﺓ ﻛﺎﻧﺖ ﻻ ﺗﺰﺍﻝ ﺗﺤﺖ ﺍﻟﺴﻴﺎﺩﺓ ﺍﻟﻤﺼﺮﻳﺔ ﻓﻜﺎﻥ ﺳﻜﺎنها ﻳﺸﺎﻫﺪﻭﻥ ﺍﻷﻓﻼﻡ ﺍﻟﻌﺮﺑﻴﺔ ﻭﺍﻟﻐﺮﺑﻴﺔ وغيرها، ﺛﻢ ﻣﻊ ﺍﻧﺪﻻﻉ ﺍﻹﻧﺘﻔﺎﺿﺔ ﺍﻷﻭﻟﻰ بدأ ﺇﺣﺮﺍﻕ ﺩﻭﺭ ﺍﻟﺴﻴﻨﻤﺎ ﻟﻠﻤﺮﺓ ﺍﻷﻭﻟﻰ ﻋﺎﻡ 1987، ﻟﻴﺘﻢ ﺗﺮﻣﻴﻤﻬﺎ ﻓﻲ ﺍﻟﺴﻨﻮﺍﺕ ﺍﻟﺘﺎﻟﻴﺔ، ﻭﻟﺘﺤﺮﻕ ﻣﺠﺪﺩﺍً ﻋﺎﻡ 1996، ﺇثر ﺻﺮﺍﻋﺎﺕ ﻓﻠﺴﻄﻴﻨﻴﺔ ﺩﺍﺧﻠﻴﺔ ﺑﻴﻦ ﺍﻟﺘﻴﺎﺭﺍﺕ ﺍﻟﻤﺨﺘﻠﻔﺔ ﺑﻌﺪ ﺩﺧﻮﻝ ﻣﻨﻈﻤﺔ ﺍﻟﺘﺤﺮﻳﺮ ﺍﻟﻔﻠﺴﻄﻴﻨﻴﺔ ﻓﻲ ﻇﻞ ﺍﺗﻔﺎﻕ ﺃﻭﺳﻠﻮ. ﺃﺭﺩﻓﺖ ﺃﻣﻲ ﺗﻘﻮﻝ: ﻓﻲ ﺍﻟﺜﻤﺎﻧﻴﻨﺎﺕ مع الانتفاضة ﺍﺧﺘﻠﻔﺖ ﺗﻮﺟﻬﺎﺕ ﺍﻟﻨﺎﺱ، ﻓﻜﺎﻧﻮﺍ ﻳﻌﺘﻘﺪﻭﻥ ﺃﻧﻪ ﻳﺠﺐ ﻋﻠﻴﻬﻢ ﻣﻮﺍﺟﻬﺔ ﺍﺣﺘﻼﻝ ﺷﺮﺱ ﻭﻳﻌﻴﺮﻭﻥ ﺟﻞّ ﺍﻫﺘﻤﺎﻣﻬﻢ للقضاء ﻋﻠﻴﻪ، ﺑﺪلًا عﻦ ﺍﻷﻓﻼﻡ ﺍﻟﺴﻴﻨﻤﺎﺋﻴﺔ ﺍﻟﺘﻲ ﻛﺎﻧﺖ ﺗﻌﺘﺒﺮ جانبًا ﻣُﻠﻬﻴًﺎ ﻓﻲ ﻧﻈﺮﻫﻢ، ﻭﺗﺤﺖ ﻫﺬﻩ ﺍﻟﺬﺭﺍﺋﻊ ﺗﻢ ﺇﺣﺮﺍﻗﻬﺎ.

بدأت ﺃﺗﺴﺎءﻝ ﻫﻞ ﺍﻟﻔﻦ ﺣﺎﺟﺔ ﺃﻡ ﺭﻓﺎﻫﻴﺔ؟ هل كانت مواجهة ﺍﻻﺣﺘﻼﻝ تتطلب إحراق ﺍﻟﺴﻴﻨﻤﺎ؟ 21 ﻋﺎﻣًﺎ ﻋﻠﻰ غلقها ﻭﺣﺮقها ﻷﻧﻬﺎ ﺣﺮﺍﻡ وعيب كما يدّعون، في نظرتهم العقيمة للفن ﻭلا وقت لها في عجلة الزمن الخاصة بهم! فأنّى نذهب نحن بعدما أضعنا الوطن، إننا عاشقون للحياة وبساطها الوردي الممثل بالحب وﺍﻟﺠﻤﺎﻝ والموسيقى والمسرح والأدب وكل ما يغذيه الفن.

كيف للسينما أن تكون ملهاة ونحن نستمد الحماس من أغاني الثورة وصور العروبة ونظرة المجتمعات لقضيتنا المتمثلة في عروضهم السينمائية؟ وأين الخطأ حين نشاهد أفلامًا كتبها أعظم رواة العالم، ونمارس حقنا في الذوق الرفيع ونستفيد من تجارب الآخرين، ونخرج معًا من بيت واحد مرفهين يعبر كل منا عن رأيه الخاص ونتناقش فيما تم عرضه. فوجود ﺩﻭﺭ ﺍﻟﻌﺮﺽ ﺗﻠﻚ ﻻ ﻳﻨﺎﻓﻲ ﺑﺎﻟﻀﺮﻭﺭﺓ ﺁﻣﺎﻟﻨﺎ ﻭﺗﻄﻠﻌﺎﺗﻨﺎ ﻛﻔﻠﺴﻄﻴﻨﻴﻦ ﺑﻞ ﻋﻠﻰ ﺍﻟﻌﻜﺲ ﺇﻥ ﺍﻟﻔﻦ ﺩﺍﺋﻤﺎً ﻛﺎﻥ ﺍﻟﺼﻮﺕ ﺍﻵﺧﺮ ﻟﻠﻤﻘﺎﻭﻣﺔ، ﻭﻋﻨﺪ ﻛﻞ ﺍﻟﺸﻌﻮﺏ ﺍﻟﻤﻌﺬﺑﺔ، ﺃﺗﺬﻛﺮ ﻣﺎ ﻓﻌﻠﻪ ﺑﻮﺏ ﻣﺎﺭﻟﻲ ﻋﻨﺪﻣﺎ ﺩﻋﺎ ﻛﻞ ﻣﻦ ﻣﺎﻳﻜﻞ ﻣﺎﻧﻠﻲ ﺭﺋﻴﺲ ﺍﻟﻮﺯﺭﺍء ﺍﻟﺠﺎﻣﺎﻳﻜﻲ- ﻭﺇﺩﻭﺍﺭﺩ ﺳﻴﺎﻏﺎ – ﺯﻋﻴﻢ ﺣﺰﺏ ﺍﻟﻌﻤﺎﻝ ﺍﻟﻤﻌﺎﺭﺽ – ﻟﺼﻌﻮﺩ ﺍﻟﻤﺴﺮﺡ ﻭﻣﺼﺎﻓﺤﺔ ﺑﻌﻀﻬﻢ ﺍﻟﺒﻌﺾ، لأن ﺍﻟﻔﻦ ﺃﺣﻴﺎﻧًﺎ ﻳُﺨﻀﻊ ﺍﻟﺴﻴﺎﺳﻴﻦ للسلام.

لقد سئمت من ﻣﺸﺎﻫﺪﺓ ﺍﻷﻓﻼﻡ عبر ﺷﺎشة الحاسوب، إني وبكل بساطة ﺃﺭﻳﺪ ﺍﻟﺬﻫﺎﺏ ﺇﻟﻰ ﺍﻟﺴﻴﻨﻤﺎ ﺑﺮﻓﻘﺔ ﺃﺻﺪﻗﺎﺋﻲ. لقد ﻣﻠﻠﺖ من ﺗﻨﺎﻗﻀﺎتكم ﺍﻟﻌﺒﺜﻴﺔ، ﻭﻣﻠﻠﺖ ﻣﻦ ﺗﻠﻚ ﺍﻟﺸﺮﻭﻁ ﺍﻟﺘﻲ تدﺳﻮﻧﻬﺎ ﺑﺎﻟﻔﻌﺎﻟﻴﺎﺕ، ﻭﻣﻦ ﻣﺴﺎﻭمتكم ﺍﻟﻮﻗﺤﺔ ﻓﻲ ﺣﺒﻨﺎ ﻟﻠﺤﻴﺎﺓ، ﻣﻠﻠﺖ ﻣﻦ منعكم ﻟﻼﺧﺘﻼﻁ ﻓﻲ ﺍﻷﻣﺴﻴﺎﺕ ﺍﻟﻔﻨﻴﺔ ﻭﻛﺄﻥ ﺍﻟﻔﻦ ﻳﻘﺘﺼﺮ ﻋﻠﻰ ﺟﻨﺲ ﺩﻭﻥ ﺍﻵﺧﺮ، ﺣﺘﻰ ﺃﻧﻨﻲ ﻣﻠﻠﺖ ﻣﻦ ﺗﺴﻤﻴﺎتكم ﺍلواهمة (ﺃﻣﺴﻴﺎﺕ ﻭﻃﻨﻴﺔ) ﺣﻴﻦ ﻳﻜﻮﻥ ﺍﻟﻌﺮﺽ ﻓﻨﻴًﺎ ﻻ ﻭﻃﻨﻴًﺎ. ﺃﻟﻬﺬﺍ ﺍﻟﺤﺪ ﻛﻠﻤﺔ (ﻓﻦ) ﺗﺜﻴﺮ ﻓﻲ ﻧﻔﻮسكم ﺍﻟﺮﻋﺐ! ﺑﺪلًا عن ﺃﻥ تشعرﻭﺍ باﻻﻋﺘﺰﺍﺯ.

وكرهتُ ﻫﺬﺍ ﺍﻻﻧﺸﻄﺎﺭ ﺍﻟﻤﺨﺰﻱ ﻓﻲ ﻋﻘﺮ ﻭﻃﻨﻨﺎ، ﻓﻨﻌﻢ ﻏﺰﺓ ﺗﻘﺎﻭﻡ ﻭﻫﺬﺍ ﻗﺪﺭﻫﺎ ﻭﺣﻘﻬﺎ. وكما ﻟﻬﺎ ﺍﻟﺤﻖ ﻓﻲ الحرية لها الحق في ﺍﻟﺤﻴﺎﺓ ﻣﺜﻞ ﻛﻞ ﺍﻷﻭﻃﺎﻥ، لأنه لا يوجد شعب يرضى بالعبودية لطالما كان محبًا للفن وللحياة. ﻧﻌﻢ نحن صامدون ﻫﻨﺎ، لكنّا كالسمك نغرق بلا ماء، ومياهنا هي روح تريد ﺳﻴﻨﻤﺎ ﻭﻣﺴﺮﺡ ﻭﻣﻮﺳﻴﻘﻰ، ﻭﻣﺜﻞ ﺃﻱة ﺣﺎﻟﺔ ﻃﺒﻴﻌﻴﺔ ﻓﻲ ﻫﻜﺬﺍ ﻋﺎﻟﻢ ﺑﺎﺋﺲ نريد الحياة.

هذا المقال يعبر عن رأي كاتبه ولا يعبر بالضرورة عن ساسة بوست

عرض التعليقات
تحميل المزيد