انتهيت لتوي من قراءة كتاب الصرخة لرضوى عاشور، الكتاب الذي لم يُكتب له أن يكتمل إذ توفيت رضوى في منتصفه. بينما أقرأه جعلتني رضوى عاشور أنتقل من فكرة لأخرى، من الكتابة والمرض، لما بعد الثورة، للأسرة ودفئها.

أما عن الكتابة، فأنا لم أكتب منذ فترة طويلة، لم أحاول حتى أن أُخرج الكلماتِ من رأسي بل تركتها هناك تُحدث ثقوبًا حتى وصلتَ إلى كامل أنحاء روحي وجسدي.

أنا أقاوم الآن، أقاوم الألم الذي أشعر به بينما أُجبر رأسي على إيجاد الكلمات يقولون وأعلم أن الكتابة تلح عليك حتى تضطر أن تُخرج الأفكار لتسكن ولكن ما لم يقله أحد أنك من الممكن جدًا أن تتجاهل صوتك. بالتأكيد سيزعجك لفترة ما حتى تستمع له ولكن ماذا لو تركته يزعجك؟ ماذا لو تناولت حبوبًا منومة لتجبر عقلك أن يغلق؟ ماذا لو أحضرت لعبة صغيرة لعقلك لينشغل بها كطفل حتى لا يسأل عن أمه؟ ماذا لو شغَلت عقلك وأكملت حشو الأفكار به حتى صرخ استنجادًا ولكنك لا تتوقف حتى تنهار وتبكي كأن الموت ينتظرك على حافة سريرك ليقبض روحك فتستمر بالبكاء حتى تنام.

تحدثوا عن لعنة تارك الكتابة، وتحدثوا عن لعنة الكتابة التي لا تتركك ولكن لم يتحدثوا عن ازدحام الأفكار برأسك دون كتابة بإرادتك أو بغير إرادتك. أصطحب كل الأفكار معي أينما ذهبت. أتذكر كل المرات التي أفتح فيها ملف الكتابة لأكتب فأجد الأفكار تزدحم فجأة حتى أنني أعجز عن التقاط إحداها أو حتى أول حرف فينتهي بي الأمر بإغلاق الملف.

تتكلم رضوى عاشور عن مرضها، تقول إن المرض يغير صورتنا عن أنفسنا حتى تصدق أنك لا تصلح ولن تستطيع. ربما سيشفع لها مرضها عدم التناسق التام للكلمات، فهل يشفع لي مرضي؟

أسيعلم الجميع أنني الآن أقاوم الرغبة العارمة في ترك الملف وإغلاقه؟ أقاوم ألم ذراعي وأعصاب يدي اللتين تصرخان علي لأريحهما؟ أسيشفع لي غضبي الدائم بسبب فشلي في إيجاد الكلمات الصحيحة؟ أسيشفع لي تركي للملف عدة مرات لأنني أرفض أقل مواجهة لأفكاري ومشاعري؟ يقولون إن كل ما تشعر به أثناء الاكتئاب هو أنسب الأسباب لتكتب ولكن الأمر أنه كل ما تشعر به سيكون سببًا لتصمت، لتعجز عن التعبير عن أي شيء وهذا الصمت هو أدق وصف لمشاعرك. أسيشفع لي أنني أحاول أن أكتب فلا أستطيع كأن أحدهم سحب قاموسي الداخلي أو محا الكثير من الكلمات به حتى أنه أحيانًا تحضرني بعض الكلمات كطيف خفيف أحاول أن أدقق النظر لأعثر عليه فلا أجده. لا أعلم تمامًا ما الذي حدث ولكن ذلك الثقب بذاكرتي جعل الكتابة صعبة وكثير من الأحيان مستحيلة، أنا عاجزة بدون الكتابة وعاجزة بها إلى الحد الذي لن يفهمه إلا من مر به بمرارة.

«كل ما تشعر به أثناء الاكتئاب هو أنسب الأسباب لتكتب» ولكن الأمر أن كل ما تشعر به سيكون سببًا لتصمت، لتعجز عن التعبير عن أي شيء وهذا الصمت هو أنسب وصف لمشاعرك.

تقول رضوى عاشور: نحن لا نكتسب ثقتنا بأنفسنا إلا عندما نكتب بتدفق وسلاسة فلا نتوقف إلا عندما ننتهي حينها فقط نتعجب ونتساءل عمن كتب كل هذا.

أُصدقها لأن هذا هو ما أشعر به دائمًا؛ أكتب بينما تتسارع أنفاسي كأنني غير قادرة على إدخال الهواء لرئتي، ليس هناك وقت يجب أن أنهي ما أكتبه كأن مصير العالم أجمع يتوقف على تلك اللحظات التي تكتب فيها، كأن مصير العالم يتوقف على كلماتك؛ وعندما أنتهي من الكتابة أتنفس الصعداء، الآن فقط يمكن للعالم أن يعيش في سلام.

لم تستسلم رضوى عاشور لمرضها. أتخيلها وهي تجر نفسها لتجلس وتبدأ تضرب بأصابعها على لوحة المفاتيح. الكتابة ليست سهلة فهي تستهلكك تمامًا، تستهلك رأسك، يديك، وضعية جسدك، تفكيرك، ماضيك، ذكرياتك، قاموسك وعينيك؛ ولكنها رغم كل هذا كانت تكتب.

أنا متأكدة أنها كانت تواجه ألمًا شديدًا وأعراضًا جانبية إثر المرض، ربما فكرت في ترك كل شيء، أو ربما لم تفكر في ذلك بل فعلت ما يجب عليها فعله لإنقاذ العالم.

أما أنا، فأكتب لأقاوم عجزًا أشعر به. ربما أكسبتني رضوى بعض القوة لأثبت لنفسي أنني مازلت قادرة على إنتاج شيء، أنه مازال بي جزء حي ينبض رغم المرض ورغم الألم ورغم العجز.

هذا المقال يعبر عن رأي كاتبه ولا يعبر بالضرورة عن ساسة بوست

عرض التعليقات
تحميل المزيد