لا أتذكر تحديدًا اللحظة التي قادتني لمشاهدة رامز جلال هذا العام، لم أكن يومًا من متابعيه، ولم أشاهد أيًّا من مقاطع الفيديو المقترحة من برامجه كل موسم، لم أهتم كثيرًا بحلقة هيفاء وهبي، ولا أتذكر أنني انجذبت في مرة لمشاهدته، وحتى الآن أنا أجهل أي مقلب من مقالبه، حتى الحملة الشهيرة التي شنتها «آثار الحكيم» لم أتابعها وحتى هذه اللحظة لا أعرف تفصيلة واحدة عنها، لم أظن في سنة من السنوات أنني على مستوى يؤهلني لمشاهدة مثل هذه النوعية من البرامج.

قادتني المصادفة إلى أولى حلقات برنامجه «رامز تحت الأرض» التي استضاف فيها الراقصة «فيفي عبده» الشهيرة بكثرة عدد الـ«مووواااه» التي تقوم بتوزيعها على مواقع التواصل الاجتماعي المختلفة، صاحبة أمنية التقاط «سيلفي مع ربنا»، الأم المثالية التي نتمنى بأن «تولع بجاز»، ولكن تلك الأمنية التي ينطق بها لساننا لم أجد في قلبي مثقال ذرة من صدقها عندما شاهدتها وسط الرمال المتحركة تصرخ بطريقة هيستيرية تتلفظ بألفاظ نابية من فرط الفاجعة، ثم تنطق الشهادتين معلنة كمال الإيمان.

فلنسلم جدلاً أن ما يحدث في برامج «رامز» محض حلقات تمثيلية وليست مقالب حقيقية، ولنتفق أن الممثلين يعلمون بحقيقة ما يُقدِمون عليه، ولكن هل نختلف في أن تقديم مثل هذه التمثيليات كبرامج كوميدية تحتوي مواقف ما قبل الموت قابلة للضحك والقهقهة نذيرًا بأن هناك أمرًا ما خاطئًا في مجتمعاتنا؟! خاصة مع ارتفاع نسب المشاهدة كل عام، الأمر الذي يدعو للحيرة والتساؤل حول «هل وصلنا إلى المرحلة التي نفتقد فيها إنسانيتنا لنضحك على شخص ما يواجه الموت؟»

في «تتر» البرنامج يمر «رامز» بخيمة أو مكان شبيها بمستشفى الأمراض النفسية، مكان مملوءًا بالأطباء ومرضى يؤدون حركات مجنونة وغير طبيعية محاولين الهجوم على «رامز»، ومن المفترض أن «تضحك» على تصرفاتهم المضحكة، في مشهد آخر في «التتر» امرأة من المفترض أنها «أم» أو أخت كبرى ربما، تجلس خلف مقود السيارة ترتعد من منظر السحلية الواقفة على جانب باب السيارة، يراقبها «رامز» بلؤم ثم يصافح طفل يجلس في المقعد الخلفي وكأنه حقق انتصارًا ما وانتقم له من تلك المرأة الشريرة، هل من المفترض أن أتفاجأ مستقبلاً بابني أو أخي الصغير وهو يقوم بعمل مقلب لإخافتي على غرار ما فعله «رامز»؟!

لا أظن ذلك !

استوقفتني جمل في أغنية «التتر» أمثال «أنا هفرم الكل»، «أنا راجع أعنف من الأول»…

حلقة الممثل الشاب «مصطفى خاطر» التي أصابه فيها القيء والرعب، وراح يردد الشهادة أكثر من مرة، وبعد أن اكتشف أنه مقلب جلس طريحًا على الأرض شبه مغمى عليه، كل ذلك من المفترض أن يصيبك بالضحك.

«نادية الجندي» وهم يحاولون إخراجها وهي لا تقوى على الحركة بسبب لياقتها الضعيفة وعمرها المتقدم، من المفترض أن يصيبك بالضحك.

حتى حلقة النجم الهندي «شاروخان» والتي تعتبر حلقة أسطورية، طريقة «رامز» وهو يسخر من ثقافة الشعب الهندي، من المفترض أن تصيبك بالضحك!

اعتراني مزيد من الفضول لمشاهدة مقاطع من برنامجه العام الماضي «رامز بيلعب بالنار»، حيث كان يختم المقلب أعلى سطح فندق بأناس ملقاة على الأرض يئنّون من آلام الحروق ويستغيثون وينادون ثم فجأة ينهضون ويضحكون ويصفقون، ومن المفترض أن يصيبك كل هذا بالضحك !

ثم نلعن ضمائرنا وغياب إنسانيتنا عندما تجاهل الناس فتاة عارية ملقاة على الطريق بباب الشعرية بالقاهرة تصرخ وتئن من الألم، وأكثرهم إنسانية قام بإلقاء بطانية عليها وقد خاف الجميع من مساعدتها والاقتراب منها!

أظنه مشهدًا أيضًا قد يصيبك بالضحك!

في «برومو» برنامجه العام الماضي يقول «رامز»: «أد إيه شيء ممتع إنك تشوف واحد بيولّع قصاد عينيك».

هل أُصبتَ بالضحك؟!

وعلى صعيد آخر شاهدتُ عدة حلقات من برنامج «الصدمة» القائم على مشاهد تمثيلية في أماكن عامة، يقوم فريق العمل بتسجيل ردود أفعال الناس تجاه المواقف الإنسانية التي يتعرضون إليها في بلدان مختلفة، طفل يرتعد بردًا، امرأة تعامل حماتها بشكل سيئ، أخرى تلقي بابنها في الطريق وتتركه هاربة، وما بين من يتجاهل ما يراه ومن يُسرع بالتدخل هناك أعوام مخيفة نفقد فيها إنسانيتنا بشكل تدريجي مرعب!

كل ذلك جعلني أفكر في ابنتي التي أنجبتها حديثًا، وهل ظلمتها حين قررتُ إنجابها في هذا العالم المقيت، وإذا ما أقنعتُ نفسي أنني أحضرتها إلى الدنيا من أجل أن تُحدِثَ تغييرًا ما، فهل هي أقوى من كل تلك التغيرات البشعة التي تصيبنا ولا نقوى على إصابتها؟!

لا أريد لابنتي أن تحيا وسط مجتمع يضحك من مشهد صراخ امرأة وهي تنازع الموت، أو رجل يبكي من الخوف، لا أريدها أن تخاف من مساعدة الآخرين لأنهم قد يخطفونها أو يخدرونها أو أنه من المحتمل أن يكون برنامجًا لاختبار إنسانيتها، فتفقد حينها إنسانيتها.

لا أريدها أن تصل إلى مرحلة ترمي فيها مبادئها عرض الحائط، فأي مبادئ الآن نافعة عندما يصل هاشتاج «رامز تحت الأرض» إلى تصنيف عالمي على موقع تويتر، في حين لا نستطيع نحن الشباب بمؤهلاتنا العالية ومواهبنا وعقلياتنا وطموحنا وعلمنا أن نصل إلى خارج حدود مدينتنا!

بكى «رامز» في أحد البرامج على أطفال «أوتوبيس المنيا» الذين قُتلوا قبل شهر رمضان، وكنت أنتظر من شدة صدق دموعه الصَدِئة أن يُطالب بإيقاف برنامجه حدادًا على أرواح الأطفال المساكين.

أَوَ لم تعلم يا عزيزي «رامز»؟

أحدهم كان يقوم بعمل مقلب في أصدقائه المسيحين، فصعد الباص وأطلق النار على أبنائهم وراح يضحك ويُقسم بأنهم إخوة في الشهر الفضيل، ولكن المشكلة تفاقمت وبدلاً من أن يأخذ الرشاش المزيف حمل معه الرشاش الحقيقي.

ألا يُذكرِك ذلك بشخص ما؟ من شدة إتقانه وحرفيته في صناعة لحظات ما قبل الموت، جعلنا نظن أنها حقيقية؟! فقام أحدهم بصُنع الموت بشكل حقيقي! كل ما أريد أن أقوله إنني أخشى على أبنائي منك، ومن تلك البشاعة التي تزرعها داخلنا.

دُمتَ كما أنت كل عام.

هذا المقال يعبر عن رأي كاتبه ولا يعبر بالضرورة عن ساسة بوست

عرض التعليقات
تحميل المزيد