وبتحركها هذا، أظهرت وزارة الخارجية السودانية والسلطات في السودان، فهمًا أعمق للمسألة، ودركًا واعيًا للأوضاع الداخلية في السودان، الذي كان سينفجر شعبه غضبًا وسيملأ شوارع الخرطوم احتجاجًا على التطبيع مع إسرائيل. فالثورة السودانية لم تقدم الغالي والنفيس كي يتم التخلي عن الهوية والقضية مقابل أوهام.

كشفت هذه الهرولة العربية (البحرين، السعودية والإمارات) نحو إسرائيل عن خطط مسبقة الصنع، روجّت لها إسرائيل وبعض عملائها في دول الخليج لسنوات. وهي أن العديد من الدول العربية على تواصل مستمر مع إسرائيل، وذلك لتهيئة الرأي العام العربي لقبول التطبيع بشكل تدريجي. ولكن هذا المخطط فشل بفضل وعي الشعوب العربية التي تدرك جيدًا أن التطبيع الإماراتي-الإسرائيلي جاء نتيجة تحرك الثلاثي المهزوم (بن زايد ونتنياهو وترامب).

فلكل منهم مشاكل داخلية وخارجية دفعتهم للتعاون معًا للظهور أمام الخصوم الداخليين والدوليين على أنهم حققوا انتصارًا دبلوماسيًا غير مسبوق. فباختصار ابن زايد منذ انتشار ثورات الربيع العربي عانى من كابوس اسمه «الإخوان المسلمون» ولذلك تخبط الرجل وتحرك نحو ثورات مضادة، فتارة هاجم الرئيس بشار الأسد وتارة فتح سفارته هناك في سوريا. ودعم انقلاب السيسي، وتحرك مع السعودية في اليمن. إن كابوس ابن زايد يتمثل بالإسلام السياسي، الذي يحاصره من كل مكان. لذلك كنّ العداء لأقوى دولتين في المنطقة وهما تركيا وإيران. هذا الإفلاس والإخفاق في كل من ليبيا واليمن، دفع ابن زايد للبحث عن حليف إقليمي يحميه من محور تركيا-إيران-قطر. فلم يجد أمامه إلا إسرائيل. ولكن السؤال الأهم هنا هو: هل ستنجح استراتيجية ابن زايد هذه؟

يتطلب الجواب النظر في عوامل عدة منها، الأزمات الداخلية التي يتعرض لها نتنياهو من مظاهرات يومية تحاصر بيته بسبب سوء إدارة أزمة كورونا، وبين دعاوى قضائية تلاحقه وقد ترميه بالسجن نتيجة جرائم فساد وخيانة.

على الجانب الفلسطيني، يبدو بأن التطبيع الإماراتي الإسرائيلي لم يكن له طالع شؤم للفلسطينيين كما توّقع الكثيرون، فالتطبيع وضع الفلسطينيين أمام واقع جديد، فلا مفر من التوحد والانخراط في مفاوضات في البيت الفلسطيني لتوحيد الجهود ومواجهة إسرائيل لتحصيل الحقوق والأرض. وأظهرت للسلطة الفلسطينية والرئيس عباس بأن الركض خلف المبادرات العربية لن يجلب له إلا طعنات متوالية في الظهر، وأن الحل الوحيد هو الانخراط في حراك المقاومة، فأرض سلبت بالقوة، لا تسترد إلا بالقوة.

إقليميًا، إن استعداء كل من إيران وتركيا، كأقوى دولتين في المنطقة، يضع مركز ابن زايد وحكام الإمارات في مهب الريح. وذلك لأن الانسحاب الأمريكي التدريجي من المنطقة (من أفغانستان والعراق وسوريا) لن يحمي ابن زايد من تحرشات إيرانية أو تركية أو من تحركات حلفائهما في المنطقة. من جهة أخرى لا يمكن النظر لإسرائيل على أنها حليف سيحمي ابن زايد أيام الشدائد. فإسرائيل ليست لديها القدرة ولا الرغبة في الانخراط في مواجهات مفتوحة مع قوى إقليمية قادرة على تهديد أمنها القومي في أي لحظة.

إن ما تبحث عنه إسرائيل في إمارات ابن زايد، هو بيع المزيد من الأسلحة للإمارات، والدخول في عالم التكنولوجيا «التجسس السيبراني» ضد الإمارات.

على ابن زايد أن يدرك جيدًا بأن الأموال التي يحصل عليها من السياحة، والأبراج التي بناها لجذب شعوب العالم إلى بلده، لن تصمد أمام أول صاروخ تطلقه إيران، أو تركيا إذا ما شعرتا بأن أمنهما القومي على المحك، سواء بهجمات إسرائيلية أو أمريكية ضد إيران. أو مغامرات غير محسوبة مع تركيا في ليبيا على سبيل المثال.

أخيرًا، إن هذا الاتفاق إن ساهم بشيء، فقد ساهم بتوحيد الروئ بين القوى الإقليمية الفاعلة وقوى المقاومة في فلسطين المحتلة وحزب الله.

وليس ببعيد أبدًا ظهور تحالفات جديدة تدخل فيها دول المنطقة المعارضة لهذا الاتفاق (كسوريا وتركيا وإيران وحزب الله والمقاومة الفلسطينية والحوثيين في اليمن). حيث سيحظى هذا الحلف (إن تمّ تشكيله) بدعم شعبي عربي غير مسبوق حتى في دول الخليج، التي يرفض شعوبها هذا الانبطاح أمام العنجهية الإسرائيلية، عندها فقط على ابن زايد أن يبحث عن وطن بديل ومكان يلجأ إليه، وهنا لا بد من نُصحه بالتوجه إلى إسرائيل (إن كانت حقا ستستقبله بدون أموال أو سلطة).

هذا المقال يعبر عن رأي كاتبه ولا يعبر بالضرورة عن ساسة بوست

عرض التعليقات
تحميل المزيد