القانون الذي لا روح له، والسلطة التي لا رادع لها، ولا ضمير، تلك هي القيم التي مثلتها شخصية «جافير» الضابط الفرنسي في «البؤساء» تلك الشخصية الحاضرة على مر العصور والأزمان، فكل سلطة أيا ما كانت، وأينما كانت تحتاج لجافير الذي لا يسمع ولا يرى، ولا يعترض، فقط يطبق ما يؤمر به، وما يراه صحيحا لا شعور له، لا مراعاة للنفس البشرية.

جافير كان أداة للسلطة، للقمع، وممثلها الوحيد؛ فهو القانون والسلطة أحياناً، لعب دوراً محوريا فعلى الرغم من بشاعة أحداث الرواية والفيلم؛ فأبطالهم كتب لهم أدوار من المعاناة الخالصة، إلا أن جافير، لم يكن يرى ذلك أبدا؛ فهو لا يؤمن بالتوبة، لا يؤمن بالخطأ البشري، ولا يؤمن بتغير الطبيعة، وأن جوعاً قد يدفع شخصا للخطأ، ثم يعود عن خطئه، وأن روح القانون هي أن تصوب خطأ، لا أن تفرض عقوبة، دون مراعاة للدوافع، فظل من البداية للنهاية يطارد جان فالجان، على الرغم من تأديته لعقوبته وسعيه للعودة للحياة مرة أخري.

لم تكن مشاهد الفيلم بعيدة عن الواقع بتغيراته، رغم تغير الأزمان؛ فمنذ البداية، عندما نظر جافير إلى فالجان نظرة السجان للسجين الذي لا يرى أمامه سوى رقم 24601 لسجين ظل 19 عاماً أمامه؛ لاتهامه بسرقة رغيف خبز لإطعام أخته، ومحاولته الهرب من السجن حتى في يوم انتهاء عقوبته ظل يحذره من العودة للسجن، ويحدثه برقمه لا باسمه، وبوصفه شخصاً خطيرا.

خرج فالجان من السجن موصوما وسط المجتمع بأنه شخص خطير لم يجد أمامه مكانا يذهب إليه، وبمساعدة من رجل دين تمكن من إيجاد المال الكافي ليبدأ حياة جديدة، فقرر أن ينسى اسمه القديم ويقطع صلته بالماضي ليرمي خلفه ورقة كتب فيها (أنه مجرم) وعليه أن يمر على سجانيه؛ ليثبت وجوده كل فترة زمنية كشرط لإطلاق صراحه. انتقل من مكان إلى آخر، وبدأ حياة جديدة، وبدأ عملا شريفا إلى أن أصبح عمدة لمدينة فرنسية.

ليسوء حظه، ويجمعه لقاء جديد بجافير، الذي لم يتغير قيد أنملة، مازال هو نفس الشخص الذي يرى في نفسه القانون. لقاء جمع الاثنين، شك جافير في فالجان بأنه المجرم الذي طارده، إلا أن منصب فالجان منع جافير؛ فربما تكون المناصب حصناً يحمي صاحبه، إلا أن موقفا عابرا كشف فلجان الذي مازال في نظر جافير 240601 فعاد للهرب مرة أخرى، فالمجرم لا توبه له ولا صلاح من وجهة نظر راعي القانون ومنفذه.

بحث فالجان عن بداية جديدة، إلا أن جافير ظل يطارده، فجافير يرى فيه المجرم الهارب ليلتقيا مرة أخرى وسط أحداث انتفاضة شبابية، أو ما تبقى من الثورة الفرنسية، أربع طرقات تتقاطع في تلك اللحظة من يرى في نفسه السلطة والقانون والقاضي جافير، والمجرم التائب فالجان والثائر ماريوس المحب لكوزيت لتخرج منه الجملة الأكثر تعبيراً: “هذه الأرض التي حاربت من أجل الحرية الآن إذا حاربنا سنحارب من أجل الخبز..هذا هو ما يتعلق بالمساواة، الجميع متساوون عند الموت”.

جافير لم يكن يرى نفسه حكما على من أدينوا سابقاً فقط، بل رأى في الثائر من أجل الخبز خائناً، ورأى في نفسه الحق، وفي غيره الباطل لتكون نهايته الفعلية حينما واجه نفسه بالحقيقة، وسقط في أيدي الثوار، ووجد نفسه في مواجهة فالجان الذي عفا عنه وتركه يرحل، ليقف أمام مرآة ذاته ويفكر فيما فعل خلال أعوام عمر، وهل كان على صواب أم على خطأ، ويحدث نفسه بأنه القانون، وأن القانون لا يستهزأ به. الشك فيما يفعل والعفو عن حياته من قبل من يراه الشيطان دفعه للانتحار.

فشلت الثورة الفرنسية ومات رفاق ماريوس، لكن حلمه لم يمت. مات جافير، لكن حل محله ألف جافير. مات فالجان، لكن أمثاله لم يموتوا. مات ممثل السلطة، لكن تابعي خطاه لم يموتوا. ومات التائب، لكن التائبين كثر. ومات الحالمون، ولكن الحلم بقي في كل زمان ومكان. سترى فالجان وجافير وماريوس. وانتصرت الثورة الفرنسية في النهاية.

 

 

هذا المقال يعبر عن رأي كاتبه ولا يعبر بالضرورة عن ساسة بوست

عرض التعليقات
تحميل المزيد