عندما وصل الملك سلمان آل سعود للحكم في يناير 2013، كانت الأوضاع تعاني حالة صعبة بسبب الظروف السياسية المضطربة في المجال الداخلي والإقليمي والدولي.

حيث بدأ الملك سلمان العمل في الداخل السعودي، من خلال إصداره 34 أمرا ملكيا كانت كافية لإعادة ترتيب الأوضاع الداخلية في البلاد، حيث شملت هذه التغييرات المناصب العليا في الدولة، وإعادة تشكيل مؤسسات الداخل، ومنها ما تعلّق بالوضع المعيشي في البلاد.

كان من أبرز التغييرات في المجال الداخلي، هو إدخال الخبرات الشابة في ميادين السياسة، وإحداث انفراج نسبي في قضايا الحريات، حيث تمثّلت صور هذا الانفراج في إعادة جوازات لبعض الدعاة، الذين صودرت جوازاتهم من قبل، وإلغاء تنفيذ بعض الأحكام التي صدرت على إعلاميين ومدونيين سياسيين.

بهذه الإجراءات كانت الجبهة الداخلية للسعودية قد أعيد بناؤها بشكل متين، رغم الغرابة في هذا البناء الجديد.

ثم انتقلت سياسة الملك سلمان، المتمرّس في السياسة إلى الجانب الإقليمي، وكما قال الكاتب السعودي

جمال خاشقجي: “لكل زمان دولة ورجال، وسياسة خارجية” فكان التقارب الذي حصل بين السعودية وقطر (بعد أن عاشت فترة من البرودة)، هو التغيّر اللافت في السياسة، إضافة لإعادة بناء العلاقات الخليجية وتجميعها تحت إطار واحد أكثر متانة وثباتا.

تعتبر أحداث اليمن بمثابة تحدٍ كبير أمام سياسة الملك سلمان الخارجية، حيث كان لا بد من اتخاذ القرار الصائب والسريع لمواجهة هذه المشكلة القريبة، فالحوثيون –المدعومون إيرانيا- أصبحوا على مشارف الحدود بعد أن اغتصبوا السلطة الشرعية التي عملت السعودية على تثبيتها، وتنظيم القاعدة (داعش) أصبحت تتوفر لهما الأرضية المناسبة ليتحركا بشكل أسهل في شمال وجنوب اليمن، فكان إعلان –عاصفة الحزم- التي لاقت ترحيبا من السعوديين أنفسهم، والدول العربية والإسلامية التي لم تتردّد في مساعدة السعودية في هذه الحملة العسكرية.

وفي سياقٍ آخر, فقد ارتفعت وتيرة الدعم السعودي للمعارضة السورية، حيث كان واضحا أنّ المملكة تسعى للعب دور أكثر حزما في هذه المنطقة، ترافق ذلك مع تقوية العلاقات السعودية التركية في جميع مجالاتها؛ لتكون هذه العلاقة لاعبا أساسيا في المنطقة ضد أي تحالف موجود.

“هذه لحظة سعودية في المنطقة ” يقول –نواف العبيدي- المستشار السابق في الديوان الملكي السعودي ل”واشنطن بوست”، حيث يرى الحلفاء كلّهم أنّ السعودية من منطلق دينيّ، تمثّل القائد الأكثر استمرارا ومقدرة، بعد غياب ملفت لمصر الكنانة، التي أثقلتها التقلبّات السياسية والأمنية.

أما في العلاقات الدولية، فقد كان الاقتصاد هو المفتاح لأبواب الدول الكبرى، حيث تحاول السعودية تعزيز علاقاتها العميقة مع واشنطن وفرنسا وانفتاحها على دول أميركا اللاتينية، حيث تم إبرام اتفاقيات عديدة مع جميع هذه الدول، وبهذا حصلت السعودية على مكانة قوية في العالم، مكّنها من كسب حلفاء دوليين جدد.

في المحصّلة، نجد أنَّ الملك سلمان، قد استطاع في فترة قياسية إعادة بناء البيت السعودي بناءً كانت ثماره واضحة على جميع الصعد، فالحملة على اليمن لم تكن، لولا المكانة التي اكتبستها السعودية في ميادين السياسة العالمية.

وفي إطار العمل الدولي، فقد لوّحت السعودية لدخولها في العمل العسكري لهذا التحالف، من خلال إرسالها لطائرات إلى قاعدة “انجرليك” التركية، لذا فقد التزمت السعودية في محاربتها لداعش التي تنتشر في سوريا والعراق، لكن هذه المشاركة في هذا الوقت تحمل العديد من التساؤلات، في ظلّ التقدّم البسيط الذي يحققه النظام السوري، بدعم كبير من روسيا في بعض مناطق الشمال والجنوب السوري، هذا التغيّر الدراماتيكي في الأزمة السورية، يدلّ على خطر كبير يهدد المعارضة السورية في تلك المناطق، التي تدعمه السعودية، ومن جانب آخر، فقد استغلت الميليشيات الكردية المدعومة من –روسيا- والتي تعمل في توافق ضمنيّ مع النظام السوري هذا الأمر, مما يثير قلق تركيا وخشيتها من ازدياد قوة هذه الميلشيات الكردية المناوئة لها، وما يرافقه من زعزعة للاستقرار الذي تسعى تركيا لإقامته على حدودها.

مصلحة مشتركة إذا تجمع بين السعودية وتركيا، تجعل هاتين الدولتين مضطرتان لبناء حلف ثنائي، يحفظ للدولتين أسباب الاستقرار المشترك. وهذا ما توّج ببناء التحالف الإسلامي, والذي أعلن عن تأسيسه في ديسمبر 2015، والذي يضم 34 دولة لمحاربة الإرهاب في مناطق مختلفة من العالم الإسلامي.

الأيام القادمة ستشهد تغييرات كبيرة وربّما تكون مفاجئة للدول الكبرى، حيث إنَّ دخول السعودية والتركية على خط الأزمة السورية، من شأنه أن يحدث توازنا إستراتيجيا على الأرض السورية، وربّما يمهّد لرفع قدرات وإنجازات المعارضة السورية.

إذًا، فقد تبلورت السياسة الخارجية السعودية الجديدة، فالقوة السعودية لا يستهان بها، حيث إنّها تخرج من بلد يعيش ويتنفس بالدين، وبالتالي لا بد أن نضفي بُعدا أخلاقيا على سياستها، وشرعية قائمة على توافق مجتمعيّ، وحماية الأمن القومي العربي والإسلامي.

كل هذه الأحداث تذكّرنا بالأمجاد السعودية التي كانت في زمن الملك فيصل بن عبد العزيز، الذي يشهد له التاريخ بالمواقف الرجولية ضد سياسات الدول الكبرى، ويبدو أن الملك سلمان بن عبد العزيز يسير على خطى أخيه الراحل, وبشكل أقوى ورجولة أشدّ، وكأن لسان حال الملك سلمان الآن يقول كما قال أخاه:
“عشنا، وعاش أجدادنا على التمر واللبن، وسنعود لهما”

هذا المقال يعبر عن رأي كاتبه ولا يعبر بالضرورة عن ساسة بوست

عرض التعليقات
تحميل المزيد