كثيرًا ما نعت العرب بالخونة، بجلد ذاتي منهم لأسباب متجذرة، أو من شعوب أخرى تعد العرب ندًا لها، لتطغى سوداوية الوصف على واقعية المشهد، فسادت تلك الصورة وتعمقت عبر السنين، مكونة حاجزًا خرسانيًا مسلحًا بأعوام من الجهل حول عقول من يدعيها ويسوقها، محاولًا إبرازها أنها الواقع، متجاهلًا تاريخًا طويلًا لديهم، ضاربًا به عرض الحائط.

قد نسهب في الشرح، ونذهب لشطحات في الخيال بأحاديث وروايات وقصص عن خيانة العرب، وعمالتهم المقيتة ضد أنفسهم، وكيف تلذذوا في تخطي ألم كي أنفسهم بالنار، أو بتر أطرافهم، أو حتى قتل أطفالهم، فهم شعب عششت الخيانة بين ثنايا الفكر فيه، واتخذوها حليبًا أرضعوه من أثداء جزيرتهم ذات المزاج الصحراوي العكر دومًا، لأجيال وأجيال منذ نطق أولهم بالعربية.

لكن لنبتعد عن هذه السوداوية قليلًا ونذهب لمنطقة أخرى على خارطة العالم، إلى أوروبا يا سادة، قد تتعجبون «أوروبا»!

نعم «أوروبا» التي يتغنى بحضارتها العديد من الجهّال، لننظر لمشهدين كبيرين أولهما مشهد الحروب الدينية، هذه الحروب التي مرت بها القارة العجوز في القرون الوسطى، والتي حصدت الملايين من الأرواح وجعلت ما كان قبلها أوابد وقيعانًا لا يرى منها سوى الخراب، فقد اختفى السلام أو التسامح من قلوب السادة، وأصبح العوام وقودًا لنار الأطماع والخيانات تحت مسمى الدين بين هذا الملك وذاك الأمير، وأمست القارة العجوز أرضًا تحكمها قطعان من الضواري تتصارع على قمم من الجماجم والأشلاء، هل رأينا في التاريخ المعاصر أحدًا ينعت الأوروبيين بالخونة لفعلتهم هذه، أو ينظر نظرة موضوعية لهم؟

وليس بعيدًا لنرجع بالذاكرة لمشهد آخر في بدايات القرن الماضي، ولنأخذ نفسًا عميقًا، فقد يطول تفكيرنا بالحربين العالميتين اللتين كانت أوروبا الأب والأم لهما، ألم يكن لهؤلاء الأوروبيين نصيب الأسد من الموت والدمار والأشلاء، ألم يدمر الأوروبيون أنفسهم مدنًا يدعون اليوم أنها فخر لهم، مثل لندن وباريس، فهل يسعنا وصف هذه الحروب وحتى مهرها بمهر الخيانة لشعوب أوروبا والإنسانية.

لنعد للعرب – الخونة – بحسب التوصيف الملاصق لهم حاليًا، وهم الذين يجهز الشرق والغرب على مر العصور جحافل جيوشه لتدميرهم، وتسعى كل قوة في هذا الكوكب لسلبهم أراضيهم وتاريخهم، سواء قبل الإسلام أو بعده، فهذا هو الحال الدائم لهم «الحرب».

فالعرب على مر التاريخ هم هدف دائم، يبرم الأعداء التحالفات في سبيل القضاء عليهم ومحو حضارتهم، التي بلا شك كان الإسلام مظلتها، وهم من يرجح كفة الروم على الفرس إذا كانوا في صفهم، أو العكس.

والعرب اليوم وعلى مر مئات السني هذا حالهم، فلماذا يجلدون بأصوات من حديد، وتكتب في تاريخ خيانتهم المجلدات، وتروى عنها الروايات، وهم في حالة حرب منذ أن أطلق عليهم هذا الاسم «العرب».

أما قضية القدس فهذه قضية فاقت قدرة تحمل العرب، وأصبحت حملًا على أحمالهم، فهم في الحقيقة وإن كانت قضية مركزية لهم، لا يملكون سوى الحلول التي طبقوها بها أو سيقومون بتطبيقها، فخيانتهم تأتي في أدنى درجات الخيانة مقارنة بباقي الشعوب والأمم، سواء أقر ترامب بالقدس عاصمة لدولة الاحتلال الصهيوني أم لا، وسواء وافقه حكام العرب أم لا.

 يبقى العرب عربًا والشعب شعبًا وهو بالفعل شعب عظيم، فمزاودات المزاودين لم تعد تجدي أي نفع وهي نفخ في الرماد لا أكثر والألم باق ما بقيت القدس بين براثن اليهود.

هذا المقال يعبر عن رأي كاتبه ولا يعبر بالضرورة عن ساسة بوست

عرض التعليقات
تحميل المزيد