في بدايات العقد السابع من القرن الماضي، بدأ يخرج لنا – المسلمين – فكر يسمى بالإسلام الجهادي، اعتمد على العنف؛ تبريرًا لحل مشاكله، وتحقيق مصالحه الشخصية، تحت مسمى الدفاع عن الدين وبقائه.

 

الحقيقة .. لا أعلم ماذا كان يهدد بقاء الدين حينها، استنزف كثيرَا من جهد الدولة من أجل محاربته، أساءت تلك الحركات التي تبنت ذلك الفكر إلى الإسلام، وسمعته، وهو ما لم نستطع حتى الآن إصلاحه أو حتى تصحيحه.

مرة أخرى في مطلع العقد الأول من القرن الحالي، بدأ يظهر لنا نوع جديد من الحركات الإسلامية الفكرية تحت مسمى الإسلام الفقهي، والتي تدور أكبر خلافاته حول ما إن كان تقصير الثياب سنه أم فرض، السواك بدعة أم سنه، نخرج الزكاة قيمية أم عينيه، وهكذا آلاف المسائل التي شككت الناس في إيمانها، وخلفتها عن ملاحقة العالم في طور التطور الهائل الذي في حدث تلك الأثناء.

باتت الناس مجهدة متشككة في علاقتها بربها، ودائمًا متهمة نفسها بالتقصير؛ فباتوا غير قادرين على أن يكونوا متصالحين مع أنفسهم، وبالطبع .. أصبحوا غير قادرين على أن يدركوا ما وصل إليهم العالم من حولهم.

مرة جديدة في بداية العقد الثاني من القرن الحالي، ظهر لنا نوع جديد وفكر إسلامي مختلف تحت مسمى الإسلام السياسي، فجأة وبدون أية مقدمات، بات الإسلام حزبيًا. حزب يدخل الجنة، وما دونه النار. الإسلام سينجو إن نجح فلان، ولن ينجو إن لم ينجح نفس فلان، لا أعلم الحقيقة من أي شيء سينجو الإسلام؟

وباقي ما حدث، وما يحدث، أظن أنك تعلمه جيدًا، وبالتدوير، وكل فترة زمنية تتكرر تلك الأحداث باختلاف الشكل لا أكثر، لست أبدًا ضد التمسك بأحكام الدين، وتنفيذ الصحيح منه، لست أبدًا ضد الموت في سبيل ما أؤمن به، لا أخشى أن تغسل دمائي أرض الجهاد، ولكن حينما يحين الجهاد، حينما تكون الحرب ضد العدو الحقيقي، مرتديًا لملابسي الحربية، محتميًا بشرف العسكرية المصرية، لا أن أكون ضد نفسي ووطني وأهلي.

في وقت ما، وبتسلسل محفوظ، ستعود مرة أخرى فكرة الدولة الإسلامية، ولكن تحت مسمى، ومسعى جديد، لا ينتمي، ولن ينتمي أبدًا لعظمة الإسلام بشيء، السؤال الجدير بطرحه الآن: لماذا الدين بالتحديد؟ّ!

لماذا تحدث كل الكوارث في أوطاننا تحت مسمى الدين؟!

ببساطة .. لأنه لا يوجد قوة تستطيع أن تشعل شعور الإنسان، وتؤثر فيه، أكثر من أن يتعلق الأمر بدينه واعتقاده. فالموضوع لا يتعلق بالإسلام بذاته، بالنظر للخلف قليلًا، وبالتحديد ما بين القرن الثامن عشر والتاسع عشر، وبالتحديد في شمال أوروبا، قتل أكثر من 40 مليون إنسان في صراع ما بين طائفتي المسيحية حينها.

كل منهم كان يحاول أن يتخلص من الآخر، والمستفيد دائمًا هو رأس المال وصانع السلاح، فقط توقفوا عن تلك المهزلة البشرية، حينما أدركوا أنهم يمكنهم استكمال حياتهم بالعيش معًا، بالتفاهم، بالحوار، بالعقل. بعدها بفترة قادت أوروبا الثورة الصناعية في العام لتصبح القوة الكبرى بعدما فهمت حقيقة اللعبة!

لماذا لم يفهم الشرق الأوسط ما فهمه هؤلاء؟ إلى متى سيظل العنف يهدد أوطاننا ؟ للأسف نحن لا نريد أن نستوعب من التاريخ دائمًا، وفي كل مرة، نكون بمثابة رد الفعل لكل حركة واتجاه جديد، يقتلنا ذاك العلاج الذى لا يتبعه وقاية، يجب أن نتصدى لما هو محتمل، يجب أن نقارع الفكر بالفكر، يجب أن ندرك أنه قبل أن يحرك الإرهابي سلاحه، هناك من حرك أفكاره، وشحنه بما جعله مؤمنًا بالموت من أجل الفكرة، لقد عاش من عشرين إلى ثلاثين عامًا في بيئه أمية، لم تنل أي قسط من العلم، حبا على أرض ملوثة بدماء سالت من أجل رغيف عيش، نما على لبن أم جف من الجوع، ترعرع وهو يرى تهميش الدولة والمجتمع له، لم يشعر بذاته يومًا، لم ينل – إطلاقًا – أي مقوم من مقومات الإنسانية البسيطة: من مأكل، وملبس، ومشرب يليق بإنسانيته.

يعيش بالخوف لا الأمل، بالطبع بات كارهًا لوطنه، ورافضًا لمجتمعه، وبأقل قدر من إقناع، ومع أول لقمة في جوفه، سيكون مستعدًا لبيع نفسه، من أجل أن توضع في فمه اللقمة التالية، فقد شعر لأول مرة أن له قيمة، أن هناك من يهتم به، فما بالك لو كان بجانب كل ذلك قد دافع الدين!

بات يرى أن كل الناس في مجتمعه كفرة ومذنبين إلا هو، يردد في نفسه في كل لحظة تمر عليه: كلهم كفرة إلا أنا. لذا فإن أردنا أن نحارب الإرهاب، فيجب أن نبدأ بمحاربة الفقر والأمية، بدلًا عن اضطرارنا يومًا لمحاربة الفقراء والجهلاء والأميين.

هذا المقال يعبر عن رأي كاتبه ولا يعبر بالضرورة عن ساسة بوست

عرض التعليقات
تحميل المزيد