فتحت الآفاق التعبيرية البديلة عن مقص رقيب الطغاة بابًا واسعًا على مصراعيه لكلّ راغب في الكتابة والتعبير وسلّ سخيمة فكره وعاطفته على منصات التعبير والكتابة، وغدا كلّ فرد له رأي خاص في كلّ مسألة يؤصله كيفما يشاء، دون أن يعتبر معايير ثقافية أو فكرية تجعل مجمل الكتابة نوعًا من التهيئة لنهضة واسعة تشمل الأمّة ككل، وصار كلّ ناقل لمنشور كتبه غيره على عواهنه يعدُّ نفسه صاحب القضية الأصيل والرئيس، فلا رأي دون رأيه ولا تعليل فوق تعليله، وعليه يمكن القول أنّنا في الحالة الراهنة نعاني من ثقافة وهمية لا تسمن ولا تغني من جوع ولا من غيره.

وأوّل الأمور التي كرست وهم الثقافة الشهادات العلمية العليا، فإنّ الكثيرين يظنّون أنّ الشهادة العليا تجعل منهم أرباب ثقافة نوعية أو عامّة تتيح لهم الحديث في أي أمر يريدون ودون توقع ولو نسبي لمعارضة أو تصحيح، وللأسف فإنّك تجد بعض حملة الشهادات العليا يريدون إخضاع العالم والكون والنصوص لتخصصاتهم وتخصصاتهم فقط، فمثلا الإداري يرى أنّ تفسير القرآن لا يكون صحيحًا إلا من الناحية الإدارية والأحاديث التي تتحدث عن التنظيم والترتيب والأولويات هي عنده لبّ الشرع، وهذا أمر جيد إذا اقتصر على التوجه الفكري التخصصي الخالص غير المشوب بالنظريات الوضعية القابلة للتعديل والنقض، لأنه من المعلوم من العلم بالضرورة أن الكامل المحكم لا يحمل على النسبي المتغير، ومن هنا ولج الكثير من أصحاب الألسنة العليمة إلى النصوص وعاثوا فيها فصاروا مطية سهلة للطغاة الراغبين في بقاء حالة التردي والاستجهال في مجمل بلداننا وتمّ فتح المنصات الإعلامية لهم على مصراعيها وعاثوا في عقول الشعوب خرابًا ودمارًا، وتمّ منح الكثير منهم الأوسمة والنياشين والجوائز ليسدّوا مسدّ من تم تغييبهم عمدًا وقسرًا عن الظهور وتنصب لهم أعواد المشانق وتصادر كلّ أعمالهم الفكرية كما حدث في فترة محاكم التفتيش.

وثاني الأمور التي زادت من حدّة الوهم الثقافي، تحوّل عقول الكثير من المستقبلين من العقل النقدي الجدلي الباحث عن الحقّ إلى العقل الهلامي المرن القابل للتشكيل حسبما يرغب المرسل، وغالبا يكون المرسل إعلام الطغاة العابثين، فتم تشكيل عقول الكثير من المستقبلين حسبما يريد الطاغية عبر أبواقه المقتاتة على الثقافة والعلم، ولم يدفع هؤلاء إلى ترك حبل عقولهم على غاربها سوى حالة القمع الشديد والممارسات الإكليروسية الديكتاتورية للطغاة وأبواقهم، وربما تكون الحالة الدافعة للسماح باحتلال العقول أقرب لمنهج إيثار السلامة، أي الغرق التامّ في الركض وراء لقمة العيش وتربية الأولاد وعدم التعرض لحال الأمّة وشعوبها حتى لا يحسب المرء على معسكر بعينه، فيدخل في حيص بيص، وساعد في تكريس هذا الاحتلال للعقول ممارسات الأنظمة التعبيدية للشعوب أي أن المرء يمضي جلّ نهاره في عمل شاقّ مضن ويعود لبيته يتسلل لواذا حتى لا يحتك بمن يظنّه جلبة لسوط الظالم، وعندما يريد أن يعبر عن رأيه فإنّه يكون ناقلا لما يكتب غيره وما يقول غيره وطبعا الكلام المنقول على عواهنه دون تدقيق أو تمحيص، والآراء التي ينقلها تتبع لمنهج إيثار السلامة فلا بدّ حينها أن ينقل رأي أبواق الطغاة، وعندما يتديّن في منشوراته وآرائه ينقل أحاديث موضوعة وقصصًا من الإسرائيليات المكذوبة وهكذا يصبح صاحب العقل المحتل معاونا في زيادة كم الثقافة الوهمية وتكريس وهم الثقافة، وهو أيضًا قد يكون جالبا لغيره من أصحاب العقول المحتلة فيصبح هو المنظر والمفتي والمحلل والمشرعن وكلّ ذلك تحت سقف منهج إيثار السلامة الذي يحدده الطغاة.

وثالثة الأثافي المكرّسة لحالة الوهم الثقافي، كثرة النشطاء الذين يسيرون بلا هدى ولا منهج، يقفون مع الرأي الذي يجلب الشعبية والشهرة دون أن يفكروا أو حتى ينظروا فيم ينقلون، مفتونون بالغرب كأننا أمة بلا هوية، يصمتون في القضايا العامّة ذات الأهمية ويثيرون مسائل لا يعلمون منها إلا اسمها وربما لا يميزون رسمها، فهم مع تحرير المرأة ما لم تكن من محارمهم، ومع مساواة المرأة بالرجل في الميراث ولكن في غير ما يملكون، وهم مع الزواج المدني والمخيمات المختلطة، والتعبير عن القضايا بالرقص الإيمائي ولكن دون أن يكون لذلك علاقة بأهلهم وعائلاتهم، وربما تجد الواحد منهم ينقل كلام ملحد يصفه بالإنسانية ليثبت وجهة نظره المتغربنة في ضرورة تطوير المجتمع دون الحاجة لدين أو شرع. وكم شارك النشطاء في نشر الكلام الذي يطعن في صحيح البخاري وشخصه وهذا الناشط لا يميز بين السند والمتن ولا يدرك الفرق بين الألف وعصا جده، لقد ذهب البعض من النشطاء بعيدًا في غيّهم من باب المعاندة وسياسة لقد قيل وانتهى، وهم لا يدركون أنّهم من معاول الهدم في مجتمعاتنا وهم كذلك حواجز وعوائق كبيرة جدًا أمام نهضة هذه الأمّة وتغيير حالها للأفضل، والذين يعتذر لهم بالنية الصالحة والرغبة في التغيير تمامًا هو نفسه الذي قال الكلام نفسه في تبريره لانحرافات السلفية حتى صرنا بين متمسلف يقتل المخالف وناشط يقتل المجتمع بترهاته، فلا عذر لمن يروّج لكل رذيلة باسم التقدم والانفتاح والتطور، فلسنا قرودًا تنتظر ناشطًا ينشلها للإنسانية بفلسفاته الغربية الدخيلة بل نحن أمّة ذات كيان قدرها أن تعود ولكن عندما تكون ثقافتها حقيقية ومثقفوها أصحاب مبدأ لا حيدة عنه، أما العقول المتنقلة وراء سراب الغرب وتطوره المادي البحت فهي كالمنبتّ لا أرضًا قطع ولا ظهرًا أبقى.

من الواجب علينا أن نقوم بتغذية راجعة وورشات عمل نقدية لهذا الكمّ من الوهم الثقافي الذي تغشّانا في حالة الغثائية، فلا حامل الحق قادر على الكلام التامّ إن أتيح له المجال، وليس الفرد الواعي بقادر على مواجهة هذا الكم من الوهم المتمدد يومًا فيومًا، فما بالك بأوطان تعتقل وتقتل كل واعٍ فيها لتبقى الشعوب في حالة غرابية تشبه التيه، وعليه قد يكون من أبسط الأمور أن نتوقف عن نفخ ذوات أصحاب العقول المحتلة وإماتة آرائهم بعدم الرد عليها ولا حتى تفنيدها فمن أساليب محاربة الباطل إماتته بإماتة ذكره، ولتعلمنّ نبأه ولو بعد حين.

هذا المقال يعبر عن رأي كاتبه ولا يعبر بالضرورة عن ساسة بوست

عرض التعليقات
تحميل المزيد