طالما شبهت عبد الناصر بنابليون بونابرت في حملته الفرنسية على مصر ، فقد كسرت هذه الحملة كثيرا من براءة الانسان المصري وتدينه، وأقحمت عليه ثقافة مثلت بداية تشويه مركبات شخصيته؛ وشبهت السادات بكليبر، وكلاهما اغتيل؛ وشبهت مبارك بمينو الذي تقرب للمصريين وأعلن اسلامه وتزوج من الشعب، لتنتهي الحملة في عهده؛ فيأتي من بعدهم محمد علي (سيسي اليوم) بناءً على طلب الجماهير، ليصبح خليفتهم فيخرج مصر من اسلاميتها إلى علمانية تسري في عروقها وتخجل حتى الآن من الاعتراف بها.

حتى اليوم السادس عشر من عمر ثورة يناير (كانون الثاني)، حاول النظام أن يتماسك ويقدم مزيدا من التنازلات التي لا تشمل إسقاط مبارك، تنازلات يعلم الجميع أنها صورية، وقتية، فالنظام هو القاضي والجلاد، وأوراق اللعبة كلها بيديه.

في اليوم السابع عشر، خرج مبارك ليفوض سلطاته إلى نائبه عمر سليمان، وأكد أنه باق في السلطة حتى يتم انتقالها لمن يختاره الشعب بشكل سلمي؛ ليضع الثوار أمام الخيار المر، ما بين صبر وحنظل، إما الموافقة والتلاعب بالثورة، وإما القفز لمجهول سقوطه وكان ذلك اختيار الميدان، أن يرحل.

في اليوم السابع عشر، وجه مبارك خطابه الثالث والأخير، وقال أنه متمسك بالاستمرار حتى نقل السلطة لمن يختاره الناخبون في الانتخابات المقبلة، وأشار إلى أن الحوار الوطني قد بدأ بالفعل وأنه أسفر عن توافق مبدئي لوضع خريطة طريق للانتقال السلمي للسلطة، وقال إنه تقدم بطلب تعديل مواد دستورية مع تأكيد استعداده لتقديم مزيد من التعديلات؛ لكن الدماء التي سالت ، وما اعتاده الجمهور من كذب ومراوغة، وما عهدوه من أساليب الشرطة القذرة، جعلت كل سبيل للتفاهم والتراجع مسدود.

في اليوم الثامن عشر، أعلن عمر سليمان تنحي مبارك مفوضًا كامل صلاحياته للمجلس العسكري، أو بالأحرى لصندوق الجيش الأسود؛ لمن خطط ودبر وراوغ وحارب حربًا باردة لينقلب تحت غطاء شعبي حتى انتصر، فاستعاد زمام الأمور في مصر كما كان الحال منذ أكثر من 60 عامًا.

احتفل الجيش بنصره فكانت أذرعه الاعلامية تذيع أغاني انقلاب 23 يوليو، كنت أتلقاها وكأني أسمع قرع كؤوس نخب التشفي، وكأنه يرسل شفرات لا يفهمها الشعب المسكين ، ترجمتها: شكرًا لحسن تعاونكم.

وفي الميدان سرى شعار (الجيش والشعب إيد واحدة)، لا يعرف أحد حتى اليوم، من أطلقه، والحقيقة أن من أطلقه هو من بدأ القصة وأراد أن يختمها. كثيرًا ما أجد من الثوار من يهاجم من تركوا الميدان بعد التنحي ويتهمهم بالطفولة السياسية، إذ يرى أنهم كان ولابد أن يبقوا لحين تنفيذ كافة مطالبهم، هذا الثائر لم يع أن العقل الجمعي للشعب أدرك جيدًا منذ شاهد مروحيات الجيش تطوف فوق رأسه، أن صبر العسكر قد نفد، وأن هذا ليس شعارًا، بل هو أمر ملزمون بتنفيذه (وإلا…).

حرص الجيش منذ البداية على ألا يفلت زمام الثورة من بين يديه، كما حرصت رءوس ليبرالية شهيرة على جعله المرجع والملاذ ورأت في التعلق برباط بيادته شرفًا أرفع من الاصطفاف مع منافسهم التقليدي ورفيق درب ثورتهم. أيقظت النخبة الناس في مصر ذات يوم على ثورة، وهم البسطاء، لا يعلمون ما هي؛ دعاهم قوم ظنوا فيهم العقل والحكمة والبصيرة، فحلموا بمستقبل أفضل لأبنائهم، وتمنوا مصر جديدة ذات كرامة وسيادة، وللأسف شوهت النخبة الثورية التي مثلت شرارة الثورة كل المفاهيم والقيم التي صدروها لهؤلاء البسطاء، فما عاد الناس يستوعبون ما الثورة، ولا معنى الديمقراطية، ولا كيف تكون الحرية؟ فغرقوا وسط أمواج فارغ الحديث، واستسلموا لسكين السفاح، وفقدوا الثقة في كل من يحدثهم عن قيام بعد سقوط مدوٍّ. سلمت نصف هذه النخبة رقاب نصفها الآخر إلى مقصلة القاتل، ثم اتهمت الشعب بالخنوع والاستسلام، وتمادت في الكذب وقلب الحقائق عله يبقيها على قيد اللمعان.

انتهت الثورة، عندما قتل قابيلها هابيلها وأخذه الكبر فلم يندم فحرم من أن يأتيه الغراب، عندما طمع يسارها فيما فاز به يمينها، فكشف عن شهوة افتراس بعد تصنع لياقة، فلاكه وجعل من صنم مبادئه المنحوت من العجوة تحليته.

ويسألون متى نصر الله؟ سيكون نصر الله قريبًا بإذنه، ولكن بعد أن يأتيكم مثل الذين خلوا من قبلكم، وتمسكم البأساء والضراء، وزلزلوا زلزالًا شديدًا. منذ بداية الثورة وأنا أراقب غربلة الثوار، ويبدو أن كثيرًا من جند طالوت قد شربوا من النهر فما عاد لهم بجالوت وجنوده طاقة، وها نحن ننتظر نصر الله للفئة القليلة.

يعتمد فهم الآتي على استيعاب ما مضى، فأن ننظر إلى ما حدث في 25 يناير على أنه ثورة بريئة طاهرة تلقائية لهي عاطفة تحملنا بعيدًا عن أرض الواقع. يبدأ الحل عندما نواجه أنفسنا بجذور المصيبة، فدفن الرءوس لم يعد حلًا مقبولًا، إن النعام مضرب المثل لا يدفن رأسه جبنًا، بل ليسمع ذبذبات الأقدام فيتقي الخطر، حتى النعام يواجه نفسه! المواجهة هي بداية الحل.

في هذه السلسة تعمدت ألا أحكي تفاصيل أحداث الثورة، فقد عشناها جميعًا بكل ذرة من قلوبنا، ما أنا بصدده هو محاولة لفهم الأحداث من زاوية مختلفة، إن أغلب من كتبوا عن الثورة سلكوا اتجاهين، إما اتجاه الثوار الذي يُكذب ما يصدر عمن ثاروا عليهم، أو اتجاه المنقلبين الذين يعتبرون الأمر برمته مجرد مؤامرة تعج بالأجندات الأجنبية. ولم أجد من يمزج بين مبدأ المؤامرة كحقيقة واقعة بالدليل والبرهان صارت كل الأحداث تشير إليها بأصابع دامية، وبين صدق الجماهير وتضحيتهم وقوتهم ورغبتهم في إزاحة الفسدة وبناء مصر جديدة. لذا قدمت بين أيديكم هذه السلسلة.

هذا المقال يعبر عن رأي كاتبه ولا يعبر بالضرورة عن ساسة بوست

علامات

مصر
عرض التعليقات
تحميل المزيد