كانت ثورة يناير حكاية كقصص الجنيات في جمال المشاعر التي بثتها، وكمغامرات السندباد أو علاء الدين في تشويقها وإثارتها. مثلت هذه الثورة الصرخة المكتومة في الصدور منذ انقلاب يوليو (تموز) 52، حين قرر مجموعة من الضباط بالنيابة عن شعب كامل أنهم قد قاموا بثورة، وأن على الجميع أن يقدموا لهم فروض الولاء. كانت ثورة يناير (كانون الثاني) تمردًا على نظام حكم بالحديد والنار امتد لأكثر من 60 عامًا، نظام خلق مصر جديدة ، مصر لا يستطيع حتى تاريخها أن يتعرف على ملامحها بعد أن شوهت وجهها عمليات خيانة وفساد وإفساد. كانت يناير ذلك النور الذي انبعث من القلوب ليغسل عذابات مصر ويشفيها. تلك كانت يناير في عيون أبنائها؛ فهل للقصة وجه آخر؟

يتجنب كل من خاض ثورة يناير الحديث عن أي رواية أخرى قد تشوه حلمه الجميل، وإذا ما واجهته تكون ردة فعله رافضة عنيفة، تمامًا كأي مصري حين تحدثه عن هزيمة بعد حرب أكتوبر (تشرين الأول) أو حين تلقي مجرد احتمال أمام أمريكي أن ضرب برجيهم في 11 سبتمبر (أيلول) كان بتخطيط وإشراف وتنفيذ قيادتهم العسكرية.

والحقيقة أيها الثائر الكريم، أنه قد تم التلاعب بك، وبـ90 مليون مصري في انقلاب عسكري تم استخدامك فيه كغطاء شعبي له لتظهر الصورة في النهاية كثورة أبهرت العالم.

كان نظام مبارك قد وصل إلى مرحلة التشبع، في الوقت الذي حانت فيه ساعة صفر تنفيذ خطة الشرق الجديد؛ التي بموجبها يتم تفتيت المقسم من قبل في اتفاقية سايكس – بيكو ؛ والتي اقترحت كحل لحالة الكساد وللأزمة الاقتصادية الطاحنة التي ضربت العالم الذي لم يجد كأسلافه حلًا سوى الاتجاه نحو ثروات الشرق، فبدأت عملية الخلخلة والحلحلة للأنظمة السياسية في المنطقة بحيث تكون سهلة الانهيار مع أول نفخة من فم الذئب الجائع ليلتهم العنزات دون أدنى مجهود.

مبارك ابن المؤسسة العسكرية قال إنه لم يكن ينتوي أن يورث ابنه الحكم، في حين أن حاشيته كانت قد جهزت الصغير وروجت له عالميًا، ولم يكن يبقى سوى أن يتوج في حفل مهيب كما توج بشار الأسد من قبل. لم يسر ذلك وفق هوى صندوق المؤسسة العسكرية الأسود، فلسوء حظ مبارك وجمال، كان هذا هو وقت تغيير جلد الجيش الموسمي ليمسك بزمام الأمور جيل جديد يحمل فكرًا وعقيدة جديدة تغير وجه مصر.

كان المرجل يغلي وكانت اللحظة المناسبة لتفجير الوضع، فحركة كفاية كانت قد هيأت الشارع لسنوات إلى أن أمرًا ما سيحدث، لكن بالطبع لم يكن انفجار ثورة بهذا الحجم ليرتسم في أجمل احلام أي مصري آنذاك. في يناير 2011 تنادى بعض الشباب على مواقع التواصل للخروج في وقفة في ميدان التحرير للاعتراض على أداء سلطة مبارك، أظهرت بعض الفيديوهات فيما بعد دعم الولايات المتحدة لهم ثقافيًا، وبقدر ما تستطيع من ضغوط على النظام الحاكم أملًا في التغيير، لن أنعتهم بالخيانة، بل سوف أسوق أفضل الظن، وهو أن أجيالًا من الشباب في وطننا العربي والإسلامي شبوا وهم يرون في الغرب نموذجًا يريدون أن يتحول إليه واقعهم، وأرادوا أن يسلكوا بمساعدته كل سبيل لتغيير ما يرونه من سلبيات أغلبها حقيقي وأجزاء كارثية منها سببها سوء فهمهم لتاريخهم الإسلامي؛ فقد عقدوا مقارنة خاطئة بين عصر انهيار وعصر نهضة؛ في حين أن الموضوعية تقتضي أن يقارنوا بين عصور ازدهار وما يماثلها، وبين عصور اضمحلال إسلامية وما يوازيها من عصور ظلام غربية متقيحة. من قد أخونه حقيقة، رؤوس صدئة غذت فكرهم وصدرتهم في وجه المهالك، تظهر فقط عندما يجنون الغنائم، وتختفي حين يمنون بالهزيمة.

خرج الشباب في يوم الخامس والعشرين، ولا أظنهم خرجوا إلا بضوء أخضر صادر من جهة داخل الجيش قادها السفاح الملهم؛ التقطه الآباء الروحيون لهؤلاء الشباب ليسوقوهم إلى حيث يرغب كبارهم جاعلين منهم طعمًا شهيًا، إما أن يصطاد ثورة، وإما أن يلتهمه القرش. كانت هذه الجهة قد اتخذت القرار بمواربة الباب لتدخل الثورة، وكأنها لم تدر المقبض، ولم تسحبه للداخل قليلًا. كان الشباب ينتمي لحركة 6 أبريل المعروفة بتوجهها الليبرالي، وانضم إليهم بعد ذلك بعض شباب الإخوان بشكل فردي. حتى هذا الوقت لم تتحول الوقفة إلى ثورة. لم ينزل الإخوان الميدان فقد كانوا يمنحون أنفسهم وقتًا لاستيعاب ما يجري عبر إعطاء النظام القائم فرصًا من خلال بيانات متتالية يطالبونه فيها بالتعقل والتغيير وبالطبع لم يستجب. أثناء ذلك كان الجناح الثائر داخل جماعة الإخوان يضغط بقوة تجاه المشاركة فيما أسمته الجماعة وقتها حركة يناير. ظهرت في ذلك الوقت قيادات شابة من داخل الجماعة؛ منهم من تأثر كثيرًا بالليبرالية وأراد أن يؤسلمها دون أن يشعر، ومنهم من تأثر بالفكر السلفي، وأراد أن ينطلق بأقصى سرعته وسط ضباب اشاعات ومعلومات شحيحة، نقم هذا التيار على قيادات جماعته ورآها بالية لا تصلح لإدارة مرحلة جديدة كلها حماس وحركة واتخاذ قرارات سريعة، أثرت فيهم فرية أن أعضاء هذه الجماعة ما هم إلا قطيع يتبع دون أن يفكر، فأرادوا أن يثبتوا العكس؛ وسأستمر في إحسان الظن بأنهم أرادوا أن يغيروا مسار جماعتهم من الداخل، وأن يكونوا بين شباب الإخوان بمثابة محرك جبار يدفعهم نحو الثورة. صارت الجماعة أمام معضلة أن تنجر خلف هذه القيادات الشابة الجامحة أو أن تخذل شبابها الذين أقنعتهم هذه القيادات الصغيرة بأنه لابد من الانصهار داخل الحراك الجديد؛ بين أن تستغل الفرصة لتغيير ظلم؛ أو أن تبقى علي وضعها وذلك ما كان يطالب به كبار قادتها الذين عاصروا من قبل ما جرى في زمان عبد الناصر ويعلمون أن الأمر برمته لا يخرج عن كونه مؤامرة عالمية يراد لهم دفع فاتورتها الباهظة؛ كان على الجماعة أن تقرر، فعقدت مجلس شوراها الذي صوت بالمشاركة، وهنا بدأت الملحمة.

يتبع.

هذا المقال يعبر عن رأي كاتبه ولا يعبر بالضرورة عن ساسة بوست

علامات

سياسة
عرض التعليقات
تحميل المزيد