لا أعتقد أن قيمة تلك السيارة الفارهة، أو هذه الطيارة النفاثة يكمن في هذا الهيكل الخارجي الأنيق الذي يخطف الأبصار، بل فيما يختبئ تحت تلك القشور التي تجني الشركات عن طريق تسويقها المليارات!

ذلك الصقر أو تلك اليمامة هناك شيء ما بداخلهما يحركهما وينتمي للحياة في السماء، الريش، والمنقار، والجسم الرشيق سيأكله الدود يومًا ما تحت طيات الأرض!

أينشتاين لم يكن وسيمًا، غاندي لم يكن قويًّا، داروين لم يبحث في الأديان، عيسى ومحمد لم يكونا ملوكًا! وبعد وفاتهم بقرون استخدمنا تميزهم فيما يمر بنا من متطلبات زماننا ونظامه العالمي الرأسمالي، لا فيما أخرجة وأبدع فيه هؤلاء. فالحقائق تكمن فى الجوهر.

إذن لا شك في أن قمة الحماقة هي أن نبحث عن حقيقة العالم من قشورة، وكل شيء يتهالك إذا غاب جوهره! نحن بكل أسف في زمن الانطباع الأول يدوم!

وعلى نطاق أشمل، هذا الحاكم يعد عادلًا مقسطًا إذا أمن قومه، لا إذا سكن القصور وتركهم في القبور.

تلك الحكومة نزيهة ومستقلة، إذا عارضت القوى التي حرقت إخوانها، لا إذا أسكنتهم أرضها وأججت الفتنة.

ومن السخرية السوداء أن يجتمع الحكام والرؤساء ويحترمهم العالم وتوقرهم الشعوب، وجل وظيفتهم هي الكذب على بني جلدتهم باسم السياسة، وإطلاق الكلام المعسول بعضهم لبعض تحت مسمى الدبلوماسية. وتحت الطاولة إما خيانات وتواطؤ، وإما معارك ودماء. نحن نحترم ونبجل هؤلاء، بل نضع مستقبلنا ومستقبل أبنائنا بين أيديهم!

ولنكن أكثر إنصافًا نادرًا ما ترى في الولايات المتحدة أو دول أوروبا سياسيًّا فاشلًا فاسدًا يتباهى ويتمادى في ظلمه. فسادهم «إن وجد» فقد أجمعوا على اختياره بالصناديق، وممارسته في الظلام؛ لأن شعلة الحرية تحرق كل من تسول له نفسه أن يطفأها، شعوبهم مكرمة فقيرها قبل ثريها، حيوانها قبل بشرها، وماكينات الإعلام لا ترحم من تلمحة! إن رقصوا على الجثث، فلا يرقصون البتة على جثث شعوبهم!

أما عن حكوماتنا وحكامنا فحدث ولا حرج،  نحن «الملطشة» طالما تُعلق صورة حضرته المبجل في المكاتب والهيئات الحكومية، وطالما لدى جنابه مشايخ يحتكرون الدين ويتاجرون به لصالح ولي النعم؛ فكل الجوعى الفقراء المظلومين مصيرهم قاع الأمم؛ من أجل أن ينعم جلالته بنوم هانئ وسط ريش النعام!

من المؤكد أن استنساخ الحلول لا يؤتي بثمار، فالتجربة الأوروبية إذا حاولنا تطبيقها بحذافيرها في مجتمعاتنا العربية ستنتج مسوخًا، ولكن وجب الغوص في التفاصيل والاستغراق في صفحات التاريخ، وقبل ذلك كله إبعاد كل من يتحدث باسم الدين عن السياسة، لا نريد عودة لعصور الظلام ومحاكم التفتيش، امتلأ باطن الأرض بجثث الأطفال، ولم نعد نتفاجأ من ذقون تذبح بعضها بعضًا تحت راية الله أكبر!

لم تكن بحور الدماء ومستنقعات الكراهية والعنصرية حكرًا على دين أو مذهب بعينه، بل هي التطور الطبيعي لسطوة الجهل وانفراد حكومة أو حزب أو نظام بالسلطة، وها نحن جميعنا ندفع ثمن سيطرة 1% من قاطني الكوكب على مقدراته، لم يسلم أحد، الكبير يخاف من الغد، والصغير تتلوث فطرته شيئًا فشيئًا!

تلك الكلمات، وأكثر منها حقائق وإثباتات لم يكتب لها أن ترى النور فترشد ملايين العقول التائهة، فقط لأن هناك من يأمر بدفنها ودفن قائلها، وكله من القرآن، البريء من ذلك الدنس براءة العذراء من ظلم بني إسرائيل.

هذا المقال يعبر عن رأي كاتبه ولا يعبر بالضرورة عن ساسة بوست

عرض التعليقات
تحميل المزيد