وعلى غرار مقولة الإمام البنا الذي قالها عندما قام أحد شباب الإخوان بقتل النقراشي باشا، ولكن اليوم تنقلب الآية، ونقول نحن اليوم عن أولئك القادة الذين طردوا هؤلاء الشباب لاختلافهم معهم في الرأي: ليسوا إخوانًا وليسوا مسلمين!

ربما لا أجيد الصراخ أو العويل، وإلا لملأت الفضاء من حولي نحيبًا وصراخًا، نحيبًا وصراخًا على كل تلك السنين التي كنت أعتبر فيها أن ليس لي أبًا واحدًا، بل كل آباء الإخوان آبائي، وليس لي أمًا واحدة، بل كل سيدات الإخوان أمهاتي، وأن ليس لي أختًا واحدة، بل كل بنات الإخوان هم أخواتي.

حقيقة إن الوضع جد خطر؛ فبفعلتكم هذه قد كسرتم داخلنا وتدًا عظيمًا، لقد نزعتم جذور شجرة عظيمة كان من المستحيل حتى كسر غصن منها، فالبرغم مما حدث وما يحدث وكل تلك الصعوبات والتحديات والاختلافات التي مرت بها الجماعة، إلا أننا ظلت تربطنا أخوتنا وحبنا في الله بغض النظر عن أي بعد آخر، ظلت تجمعنا كلمات لطالما أثرت فينا ونفذت إلى قلوبنا: فوثق اللهم رابطتها وأدم ودها.

ولكن لحظة؛ أي ود هذا الذي يدفعكم لفعل هذا؟ أي ود هذا الذي يجعلكم تلفظون أبناء ربيتموهم على: اثنين تحابا في الله اجتمعا عليه وتفرقا عليه! أتري أنكم الآن تفترقون عليه؟ علمتمونا أننا قدوة في كل شيء، ودرستم لنا مبادئ وقيمًا، لنتخلق بها مع الآخرين، وكنتم أول من يخالفها، ليس مع الآخرين، بل معنا نحن.

إن ما حدث لشباب الإخوان في السودان لهو لطمة على كل وجه من أفراد هذا الصرح الذي لا تستحقون أن تكونوا قادته، لطمة وجه عل البعض يفيق بها، البعض الذين إذا ما تعلق الموضوع بالقيادة اتخذوا مبدأ: لا أرى، لا أسمع، لا أتكلم. لطمة وجه على من يقدسون آراء القيادة حد السذاجة، لطمة وجه لكل من تمنعه نفسه من التفكير مخافة أن يتبين أن هناك خللًا ما، خطأ ما، مخافة أن يكتشف أنه يسير عكس الاتجاه.

أما أنتم يا قادة الإخوان، والمتصرفين في هذا الصرح، ما أنتم إلا قيادة فاشلة حد الغباء، فليس هذا الموقف هو ما بيّن لنا هذا قط، ولكنه الذي فجر ما بداخلنا من اعتراضات وسخط على سلسة الأخطاء التي اقترفتموها، فإلى الآن، وبعد مرور أكثر من ثلاثة أعوام على الضربة القوية التي وجهت إليكم، والتي كان بإمكانكم أن تتفادوها، ليس لديكم رؤية واضحة، ولا استراتيجية منطقية، ولا خارطة طريق، ولا خطة للتعافي، تنكرون على عبد الفتاح السيسي سياسته في التعامل مع شعبه، وتتخذونها أنتم سبيلًا للتعامل مع شبابكم! هؤلاء الشباب الذين لطالما اتخذوكم قدوة ونبراسًا، واستقوا منكم الأخلاق والمروءة، وها أنتم الآن بكل دم بارد تزجون بهم دون أن تحددوا لهم ملامح أي شيء، بينما هم ضحوا وأعطوكم كل شيء: مستقبلهم، وحاضرهم، وماضيهم.

تلقبون عبد الفتاح السيسي بالانقلابي، إذن فأنتم أيضا انقلابيون؛ انقلبتم علي مبادئ وقيم هذه الجماعة، وتطردون شبابًا لمجرد أنهم اختلفوا معكم في الرأي، فإذا كنتم لا تتقبلون الآراء الأخرى داخل الجماعة، فكيف لكم أن تحكموا شعبًا بكل طوائفه! كيف لكم أن تنهضوا بأمة، كيف لكم أن تزيحوا الغمة! عذرًا أيها القادة؛ فلا هذه صفات القادة، ولا أنتم تتوفر فيكم صفات القيادة!

والآن دعونا نرجع إلى نقطة لا خلاف عليها، ودعوني أذكركم بمقولة الإمام الشهيد حسن البنا رحمه الله: يا معشر الإخوان! والله ما أخشى عليكم الدنيا مجتمعة، فأنتم عليها أقدر، وإنما أخشى ما أخشاه عليكم أمرين: أن تنسوا ربكم؛ فيكِلَكُم إلى أنفسكم، أو أن تنسوا أخُوّتكم فيصير بأسكم بينكم شديدًا.

ورأيي أننا في خضم ما يحدث، فلقد وقعنا في الأمرين، فبما نتغنى به من شعارات: هي لله. ليست خالصة، بل يشوبها بعض التأفف والسخط والضيق، وبما حدث اليوم مع شباب الإخوان بالسودان قد نسينا أخوتنا، فصار بأسنا بيننا شديدًا.

وإنني لا أرى إلا إعادة هيكلة على أسس ومبادئ وقيادات جديدة تعزز من قيمة الفرد داخل الجماعة، وتعزز من قيمة آرائه ووجهات نظره، ولا تدعي المثالية، بل تتخذ من مقولة الإمام الشافعي طريقًا لها: رأيي صواب يحتمل الخطأ، ورأي غيري خطأ يحتمل الصواب.

هذا المقال يعبر عن رأي كاتبه ولا يعبر بالضرورة عن ساسة بوست

عرض التعليقات
تحميل المزيد