مع كل هجوم إرهابي يستهدف البلاد التونسية، تختلط دماء الجنود والأمنيين البواسل بدماء المواطنين الذين وقفوا صفًّا واحدًا إلى جانب أفراد المؤسسة العسكرية والأمنية، دماء تسيل فتكتب سطورًا عنوانها وحدة الشعب التونسي بجميع أطيافه وفئاته أمام طاعون الإرهاب الذي تفشى في معظم الدول العربية ليقسم بعضها ويهتك ٱقتصاد الأخرى، ولعل صور المواطنين الذين ملؤوا مستشفى جرجيس للتبرع بدمائهم من أجل المصابين من القوات التي واجهت عملية بنقردان الأخيرة هي خير دليل على هذه الكلمات.

ولكن، مع كل عملية تستهدف الأراضي التونسية يجد التونسيون أنفسهم أمام هجمة إرهابية – كما سماها رواد مواقع التواصل الاجتماعية – من نوع آخر، هجمة أبطالها إعلاميون وصحفيون ومحللون وخبراء وأساتذة جامعات ومسرحها القنوات التلفزية التونسية.

شهدت تونس يوم الاثنين 8 مارس 2016 هجومًا إرهابيًّا غير مسبوق استهدف مدينة بنقردان الواقعة جنوبي البلاد، وحسب بيان لوزارتي الدفاع والداخلية فإن المعركة المسلحة التي بدأت فجرًا قد أسفرت عن مقتل 36 مسلحًا وٱعتقال سبعة، في حين قتل عشرة أمنيين وجندي وسبعة مدنيين.

وتعتبر هذه الحصيلة الأسوأ في هجوم واحد منذ الثورة التونسية.

وكرد فعل في إثر هذه العملية عبر التونسيون بمختلف توجهاتهم عن تضامنهم مع قوات الأمن والجيش، وٱتفقوا تلقائيًّا على نبذ الإرهاب وضرورة الوقوف وقفة رجل واحد حتى لا ينجح المتربصون بثورة التونسيين في بث الفتنة والتفرقة بين أبناء الشعب الواحد.

إلا أن ما يسمى بالنخبة المثقفة التونسية كعادتها لم تنسج على منوال المواطنين، ووجدت في هذه العملية فرصة كسابقاتها لتصفية الحسابات السياسية وبث الفتنة والاصطياد في الماء العكر، فأطلقوا العنان لكلماتهم وأفكارهم الدفينة المرعية، وٱنبرى كل واحد منهم يلقي التهم جزافًا على خصم سياسي أو وسيلة إعلامية.

كان الأمين العام المساعد في ٱتحاد الشغل بلقاسم العياري، أول من سعى إلى ٱستغلال ما حدث؛ فدعا عبر تدوينة على صفحته على الفيس بوك إلى طرد قناة الجزيرة مشيرًا إلى أنها بصدد تقديم معطيات تخص الأمن التونسي والوضع العام في بنقردان وذلك على خلفية تغطية القناة لما حصل. يجدر ذكر أن قناة الجزيرة كانت كالعادة سباقة إلى نقل الأحداث لحظة بلحظة فيما كانت جل القنوات التونسية غارقة في سبات عميق فواصلت بث رسوم متحركة ومسلسلات تركية.

كانت قناة الجزيرة أيضًا هدفًا لأحقاد الإعلامي التونسي برهان بسيس الذي ٱنتقد ٱستعمال القناة لعبارة «مسلحون» عوضًا عن «إرهابيون» ملمحًا إلى علاقة القناة بما يحصل من حروب في المنطقة. إلا أنه تجاهل عمدًا ٱستعمال كبرى القنوات الإخبارية العربية لنفس المصطلح ومتناسيًا دور القناة في إنجاح الثورة التونسية أم أن هذا ما يؤرق مضجع برهان بسيس؟

للتذكير فإن هذا الأخير قد ظهر إبان الثورة في برنامج الاتجاه المعاكس مدافعًا شرسًا عن نظام بن علي.

كذلك فعل الصحفي التونسي زياد الهاني فكتب أن «غلق مكتب قناة الجزيرة أصبح قضية أمن قومي».

أما الأستاذة الجامعية ألفت يوسف فقد صوبت سهامها كعادتها نحو الإخوان المسلمين، وتحديدًا حركة النهضة و«أذنابها» على حد تعبيرها من مدافعين عن حقوق الإنسان ومحامين وقضاة، فحملتهم مسؤولية الدماء التي تراق وكتبت أن قائمة الضالعين في ما يحدث لها عنوان واحد وهو «الإخوان وأذنابهم وأذيالهم».

لم تفوت القنوات التلفزية التونسية أيضًا هذه الفرصة ففتحت أبوابها أمام أسطول المحللين والخبراء والسياسيين والإعلاميين، من سيئي السمعة والمعروفين بموالاتهم للرئيس المخلوع زين العابدين بن علي، ليفرضوا وصايتهم على المشاهدين، ولينتقموا من خصومهم، وليصدروا الأزمة إلى الساحة السياسية، وليصفوا حساباتهم مع الحرية والديمقراطية وحقوق الإنسان.

وكان الإعلامي لطفي أول من سعى إلى الإفصاح عن حلمه في تخليص أدوات القمع من براثن القانون والقيم الإنسانية، وقال حرفيًا «جماعة حقوق الإنسان أسقطوا بن علي» في إشارة إلى مؤامرة حيكت ضد الرئيس المخلوع، ولم يكتفِ بذلك فلمح إلى ٱرتباط الثورة بالإرهاب وبراءة الشعب منها فقال «واليوم يريدون إسقاط الدولة».

اشتركت جل البرامج التي خصصت لحادثة بنقردان في تجريم المحامين والقضاة معتبرين أن حقوق الإنسان والعدالة والقانون ترهات لا مكان لها في تونس الثورة حين يتعلق الأمر بالإرهاب.

للتذكير، فإن هذه ليست الهجمة الأولى التي تستهدف المحامين والقضاة والناشطين في مجال حقوق الإنسان، فهم يتعرضون بشكل دوري لشتى أنواع التشويه والتخوين من قبل ضيوف الإعلام التونسي، أبرزهم وزير التربية والتعليم التونسي «ناجي جلول» حين تهجَّم على القاضي أحمد الرحموني متهمًا إياه بتبييض الإرهاب لمجرد رفض الأخير للتعذيب في السجون التونسية.

وأخيرًا، وفي لقطة تذكرنا بإعلام الانقلاب المصري، وعلى طريقة أحمد موسى، صرح الخبير الأمني مازن الشريف على إحدى القنوات التونسية أن «هوليوود» هو مركز مخابرات يقع من خلال الأفلام التي ينتجها تمريرُ رسائل لما أسماه «التنظيم» الإرهابي الدولي، وقال أن فيلم «جيمس بوند» الأخير قد بعث برسالة مفادها أن عمليتين إرهابيتين ستستهدفان تونس وإسبانيا..

كذلك ذهب العديد من الوجوه التونسية المعروفة ممن عارضوا ثورات الربيع العربي، إلى القول بأن قناة الجزيرة بصدد بعث رسائل مشفرة من خلال التقارير الإخبارية التي تبثها، وكالعادة كانت حركة النهضة التونسية من أبرز المستهدَفين إعلاميًّا.

هذا المقال يعبر عن رأي كاتبه ولا يعبر بالضرورة عن ساسة بوست

علامات

تونس
عرض التعليقات
تحميل المزيد