«سنكون نحن الأنصار وهم المهاجرون» بهذه العبارة عبر الرئيس التركي رجب طيب أردوغان عن عمق العلاقة بين الشعبين التركي والسوري، الذي هاجر إلى تركيا منذ عام 2011، مؤكدًا المقولة ذاتها عقب مطالبات أحزاب المعارضة بترحيل السوريين أعوام 2018 و2019، لتمضي سنوات وسنوات من الألفة والدعم من قبل الحكومة التركية «الأنصار» واللاجئين السوريين «المهاجرين»، حتى جاء عام 2019 على عكس ما تمناه السوريون في تركيا، عندما أحسوا أن ملفهم تحول إلى مجرد ورقة سياسية واقتصادية بين الأطراف التركية من جهة، وبين تركيا والعالم من جهة أخرى، وليصبح السوري هو الضحية من جديد.

تعد تركيا أول الدول التي احتضنت أكثر من 3 ملايين سوري.

ما الذي حدث؟

عقب إعلان الحكومة التركية عن انتخابات البلدية 2019 في معظم الولايات، عادت أسطوانة اللاجئين السوريين ووجودهم في تركيا إلى قائمة مطالبات الأحزاب المعارضة في تركيا عامة، وفي إسطنبول خاصة، والتي ربما استطاعت أن تستغل هذه الورقة للضغط على حزب العدالة، لا سيما من قبل أكبر الأحزاب المعارضة «حزب الشعب الجمهوري»، وعبر مرشحه «أكرم إمام أوغلو»، الذي استطاع الفوز على مرشح العدالة والتنمية، الذي انجر هو الآخر وراء مطالبات المعارضة، إذ صرح هو أيضًا بأنه سيُرحِّل بعض السوريين من إسطنبول.

أنفقت تركيا على اللاجئين السوريين بحسب إحصائيات رسمية ما يقارب 73 مليار دولار.

عقب فوز الحزب المعارض بإسطنبول ووصول أكرم إمام أوغلو لعمدة البلدية، تصدر هاشتاج فليغرب السوريون عن هنا وسط أنصار أوغلو، لكن أوغلو الذي نجح بتسيس قضية السوريين واللعب على وترها، صرح في أول لقاء له بأنه سيتعامل مع السوريين بشكل إنساني، وأنه سينظم طاولة في بلدية إسطنبول للسماع لمطالب السوريين، فهو يرى أن الحكومة أخطأت في عدم تنظيم الوجود السوري وإيصال صوته للعالم.

في ظل ذلك أعلنت قيادات في العدالة والتنمية عن حزمة إصلاحات ضمن الحزب، ولم يكن في حسبان السوريين أن الإصلاحات ستطالهم بشكل أو بآخر، فما تخوف منه السوريون في حال فوز الحزب المعارض، فعله الحزب الحاكم الذي يعده السوريون ملاذهم في تركيا.

«وجود السوريين في تركيا بركة». *أردوغان

أعلن الرئيس التركي رجب طيب أردوغان، في منتصف يوليو (تموز) الحالي، عن حزمة إجراءات لترغيب السوريين وتشجيعهم على العودة الطوعية إلى بلادهم، تبعه بعد أيام لقاء لوزير الداخلية – المعروف بمواقفه الداعمة والمدافعة عن السوريين- مع عدد من الصحفيين العرب والسوريين على وجه الخصوص، لإبلاغهم بقرارات صادمة بحق السوريين «المخالفين» في تركيا عامة، وإسطنبول خاصة، مؤكدًا في الوقت ذاته أن الحكومة التركية، وعلى رأسها الرئيس أردوغان، لن تتخلى عن مبدأ المهاجرين والأنصار.

يعيش في إسطنبول حوالي 300 ألف سوري يتمتعون جميعهم بنظام الحماية المؤقتة الكمليك.

الإجراءات الجديدة:

1 ـ ترحيل السوريين الذين لا يملكون بطاقة الحماية الموقّتة إلى سوريا.

2 ـ ترحيل السوريين الذين يملكون بطاقات الحماية الموقّتة في ولايةٍ ما، ويعيشون في ولاية أخرى، إلى الولاية التي حصلوا على البطاقة منها.

3 ـ مكافحة العمالة غير النظامية وإلزام جميع السوريين بالحصول على إذن عمل.

4 ـ ترحيل فوري لمرتكبي الجرائم ومزوّري الوثائق إلى سوريا.

5 ـ فرض شروط إضافية على تجديد الإقامات السياحية تعود إلى استمرار الإقامة وجمع معلومات عن حاملها.

تطبيق القرارات: انتهاكات من الأمن التركي وسط ذعر في صفوف السوريين

في اليوم الذي سبق الاجتماع مباشرة، بدأت الحكومة التركية بتطبيق القرارات من خلال ملاحقة السوريين في إسطنبول، بحثًا عن مخالفين، لكن الأمر لم يخل من انتهاكات كثيرة خلال عملية التفتيش، إذ اختلط الحابل بالنابل، ورحل من يمتلك كمليك إسطنبول، وسط ضرب للسوريين وشتمهم، وإجبارهم على التوقيع على أوراق لم تعرف ماهيتها بداية الأمر، ليتبين لاحقًا أنها أوراق لترحيل طوعي.

وضجت مواقع التواصل الاجتماعي بصور مهينة أثناء عمليات الترحيل، وقد كانت الصور مهينة بحق تركيا ومكانتها قبل السوريين.

خلت شوارع إسطنبول من السوريين، وأغلقت محالهم، وتعطلت أعمالهم، وتفككت عائلاتهم، فالأب والمعيل أمسى في إدلب وأضحوا هم بلا معيل، ما دفع بناشطين سوريين لإطلاق حملات ضد ترحيل السوريين، وتوجيه رسائل للحكومة وللرئيس التركي شخصيًّا لإيقاف عملية الترحيل التي طالت ما يقارب 7000 شخص.

«لا نحمل السوريين مسألة ارتفاع البطالة، ولولا السوريون لكانت تركيا بأزمة أكبر». *ياسين أقطاي مستشار أردوغان

الاثنين 20 يوليو (تموز)، ونتيجة الضغوطات والتجاوزات، أمهل والي إسطنبول السوريين المخالفين، والقادمين من ولاية أخرى 20 يومًا لمغادرة المدينة، وأعلن أنه من لا يحمل بطاقة حماية سيوزع على باقي المدن بالتنسيق مع وزارة الداخلية، ما يعني وقف ترحيل السوريين لسوريا، لكن ترحيلهم سيستمر من إسطنبول.

تطورات جديدة وتصريحات لوزير الداخلية التركي

قال وزير الداخلية التركي، سليمان صويلو، في لقاء مع تلفزيون «NTV» التركي الأربعاء 24 من يوليو (تموز)، إن الحكومة ستواصل اتخاذ خطوات للحفاظ على النظام، ولا علاقة لذلك بنتائج الانتخابات وأن تركيا مستمرة بمبدأ المهاجرين والأنصار.

وأضاف صويلو أن تركيا لن ترحّل أي سوري خاضع للحماية المؤقتة إلى خارج تركيا، وإنما ستعيدهم إلى الولايات التي أخرجوا منها بطاقة الحماية. (يعرف عن الوزير التركي أنه من أشد المدافعين عن اللاجئين السوريين).

أما السوريون غير الحاصلين على بطاقة الحماية أو الإقامة فسينقلون إلى مخيمات مخصصة وتسوية أوضاعهم القانونية لإبقائهم تحت السيطرة، بحسب تعبيره.

وأكد الوزير التركي أنه لن يسجل أي سوري جديد في مدينة إسطنبول، باستثناء الحالات الإنسانية مشيرًا إلى أن الحملة لا تستهدف السوريين فحسب، بل تستهدف كافة الجنسيات المخالفة.

أكاذيب أطلقتها المعارضة وصدقها بعض الأتراك

خلال الانتخابات الأخيرة، ونتيجة عزف المعارضة التركية على وتر اللاجئين السوريين، أطلقت المعارضة عدة أكاذيب وإشاعات بحق السوريين، منها أنهم يعيشون على نفقة الحكومة، وأنهم يتقاضون رواتب منها، وأنهم لا يدفعون إيجارات المنازل أو ضرائب الكهرباء والماء، لكن الحقيقة معاكسة لذلك، وأن كل ما صرفته تركيا على اللاجئين كان نتيجة اتفاقيات عدة بين الأمم المتحدة والاتحاد الأوروبي، ضمن ما بات يعرف باتفاقية منع تدفق اللاجئين إلى أوروبا.

السوريون مرتاحون في تركيا، بينما يموت أبناؤنا في سوريا، والكل يعلم أن هذا الكلام مناف للحقيقة، وأن الجنود الأتراك، وإن شاركوا في القتال بسوريا، فهو لحماية أمنهم الوطني، وحدودهم، إذ تقتصر مشاركاتهم ضد الأحزاب الكردية المعادية لها.

ومن الشائعات أيضًا تهم موجهة للسوريين بارتكاب الجرائم والتحرش بالنساء، مع العلم أن كل حالات التحرش التي حصلت كانت على يد جنسيات أفغانية وباكستانية، مع اعتراف وزارة الداخلية بذلك، إذ أعلن وزير الداخلية نفسه أن نسبة جرائم السوريين بالنسبة للأتراك لم تتجاوز خمسة بالمئة، كل تلك الاتهامات كانت تترافق بحملات على ممتلكات السوريين وتكسيرها في إسطنبول وغيرها، مع العلم أنه قد سُجلت العديد من الجرائم من أتراك ضد سوريين هناك، لكن الإعلام لم يسلط الضوء عليها كما سلطه على تجاوزات السوريين.

السوريون في تركيا ليسوا عالة على أحد

يعيش في تركيا حوالي 4 ملايين سوري، بينهم حوالي 300 ألف يعيشون في المخيمات التي ترعاها الأمم المتحدة بالتعاون مع الاتحاد الأوروبي والأمم المتحدة، بينما يتوزع الباقي على معظم الولايات التركية، جميعهم يعمل في مهن متعددة، ويسكنون ضمن بيوت يدفعون إيجارها شهريًّا بمعدل وسطي حوالي 200 دولار شهريًّا، وضرائب أخرى بمقدار 100 دولار شهريًّا، علاوة على شرائهم من البازارات والمحال التركية، ما يعني أن السوريين يدرون المليارات في الأسواق التركية، فضلًا عن الشركات الكبيرة التي أسسها السوريون في تركيا، من مصانع ومعامل ساهمت بشكل كبير في رفعة الاقتصاد التركي، وبشهادة كبار مسؤولي الدولة التركية، وهذا يعني أن التركي هو الخاسر الأكبر قبل السوري في حال الترحيل.

موقف المعارضة التركية

حصلت كل حالات ترحيل السوريين من إسطنبول وسط صمت المعارضة ومرشحها أكرم إمام أوغلو، الفائز برئاسة بلدية اإسطنبول، كما رفضت الدكتورة آيفر يزكان كُبال من مكتب إمام أوغلو الإدلاء بتصريحات صحافية حول هذا الأمر.

موقف المعارضة السورية

أبرز الغائبين عما جرى في إسطنبول كان ممن صدر نفسه ناطقًا وممثلًا للشعب السوري، بل ربما لا نقول غائبًا، بل كان موافقًا على كافة القرارات، بل متماديًا أكثر من ذلك، عندما ذهب بعضهم لوصف السوري بأنه بلا حس ولا ذوق، على اعتبار أن تركيا استضافته طوال تلك السنين.

والدور الوحيد الذي كان واضحًا بحق، هو دور منبر الجمعيات السورية، الذي حاول بكل السبل إيقاف قرار الترحيل، وإيصال الانتهاكات التي وقعت بحق سوريين يحملون وثائق رسمية، ولا ينسى دور الناشطين الإعلاميين الذين قاموا بحملات كبيرة لوقف الترحيل.

ويتساءل السوريون في تركيا عامة، وإسطنبول خاصة، عن الأسباب التي دفعت الأنصار لتغيير سياستهم مع المهاجرين، الذين لطالما افتخروا، بل مجدوا  هذه العلاقة، منهم من أرجعها لأسباب سياسة، كما ذكرنا، من خلال الانتخابات، وأن المعارضة التركية لعبت بشكل جيد على هذه الورقة، وجعلت من السوريين شماعة للرجوع إلى المنافسة على الساحة التركية، ومنهم من رآها اقتصادية من خلال الضغط على الاتحاد الأوروبي، الذي لم يف بكامل التزاماته بشأن اللاجئين بتركيا.

إلا أن الأغلبية من السوريين والأتراك معًا يرون أن السبب في تنامي خطاب الكراهية في المجتمع التركي هي سياسة حزب العدالة والتنمية، التي واصلت تذكير العالم والأتراك والسوريين على لسان المسؤولين، بالمبالغ التي صرفتها على اللاجئين السوريين، وما قدموا لهم من مساعدات مادية، حتى ظن المواطن التركي أن السوري أكل البلد، وأنه مفضل على التركي، وهذا ما عرفت كيف تستغله المعارضة لتنتج ذلك الخطاب المعادي للسوريين، فضلًا عن تذكيرهم دائمًا بأن جنودهم يقاتلون في سوريا، حتى اعتقد الشارع التركي أن جنودهم يقاتلون هناك، بينما يجلس السوريون مرفهين في تركيا، ما زاد نسبة الخطاب عند الأتراك، لاسيما القوميون والشعوبيون.

ووسط هذا وذاك، كان السوري اللاجئ أو الضيف، كما يحب للأتراك المسؤولون تسميته، الضحية الوحيدة لكل ما جرى، ليطرح سؤالًا مهمًّا: هل حقًّا القضية قضية مهاجرين وأنصار؟!

هذا المقال يعبر عن رأي كاتبه ولا يعبر بالضرورة عن ساسة بوست

المصادر

عرض التعليقات
تحميل المزيد