دليلك نحو النجاح؛ هي سلسلة من أربعة مقالات، أحاول فيها الإضاءة على نقاط، تمكنكم من الوصول لأسرار مهمة، واليوم حديثنا شخصي بعض الشيء، سأنقل من خلال أسطر قليلة، وجعًا وألمًا كبيرًا، خوفًا وأملًا، قتلًا ودماء، وكيف استطعت تخطي معظم العقبات، وسياستي في ذلك.

بدأ الأمر من جنسيتي، تلك الصفة التي اتصفت بها، لم تكن مثل بقية الناس، فالناس عندما تسألهم عن جنسيتهم يجيبونك براحة، إلا أنا، أخاف من نظرة عنصرية، أو كلمة جارحة، غالبًا ما تتغير طريقة الكلام معي، عندما يعرف الشخص جنسيتي، هل كان يومًا الانتماء لبلد جريح أمرًا محرمًا؟!

إذًا أنا سورية، عشت في بلد جميل في أول 10 أعوام، وقتها استطعت إكمال خمس سنوات تعليمية، بطريقة رائعة، بمدارس ذات جودة عالية، بين أصدقاء كُثر، يحملون نفس اللهجة والأفكار التي أحملها، هذا اعتيادي فمعظمنا ننتمي لحي واحد، الحي الذي ولدت فيه، كان حيًّا شعبيًا لطيفًا .

لكن في نهاية العام الدراسي الخامس الابتدائي، بدأت الأمور تتغير، بدأت المشاعر الجميلة والآمنة تتغير، بدأت تنقلب، كنت دائمًا رغم أنني كنت طفلة متمسكة بالمدرسة، لم أكن أحب أن يفوتني يوم دراسيّ واحد حتى، رغم أنني لم أكن أبلغ الحادية عشرة من عمري، كنت أملك مشاعر واعية لخطورة الانقطاع عن الدراسة، كنت أحاول الذهاب للمدرسة عند انقطاع الرصاص، لكن الأمر لم يكن آمنًا لهذا الحد، الموضوع ليس كذلك فهؤلاء الذين يطلقون النار اتخذوا من أسطح المدارس ذات الأبنية العالية مكانًا مثاليًّا لهم لنصب قواعدهم؛ لذلك اضطررت إلى الانقطاع لعام كامل، قبل أن تسوء أوضاع الحي لدرجة لا نستطيع إكمال حياتنا هناك، وانتقلنا من الحي لمدينة أخرى في سوريا، أيضًا لم يكن الأمر مثاليًا، لم تكن باستطاعة عائلتي التأقلم مع الوضع، خصوصًا أن بيتنا هُدِم في اليوم التالي من مغادرتنا إياه، هذا ما جعل الحزن يخيم على منزلنا، حتى ساءت أوضاع الحي الجديد، وهذه المرة، لدينا فقط خيار واحد، إما الانتقال لمكان أكثر أمانًا في بلادنا، أو مغادرتها، المشكلة أننا نغادر مناطق الحرب فنجلس بمكان آمن، الناس تكمل حياتها بشكل طبيعي واعتيادي، على الرغم أن مناطقنا تبعد عنهم بضعة كيلومترات، هذا الأمر كان جارحًا للغاية، مما دفعنا لترك بلادنا نهائيًّا، والانتقال لبلد آخر؛ لبنان.

ما زلت منقطعة عن الدراسة، وأتى موسم الدراسة، تأخرت عامًا كاملًا، لكنني في النهاية كنت أمام خيارين: إما الدراسة في مدرسة مخصصة للطلبة السوريين، هنا ندرس منهاجنا السوري، الذي يتعلق بمدارسنا، أو الدراسة في مدرسة لبنانية، منهاج لبناني، بالطبع كنت قد اخترت العودة لمنهج بلادي؛ لأن لغتي الإنجليزية كانت متوسطة، أما لغتي الفرنسية، لم يكن لدي أي معرفة بها، لا من قريب ولا من بعيد، والمنهج اللبناني كاملًا باللغة الفرنسية، أما اللغة العربية فهي مادة منفصلة، هذا ما جعلني أعود لمنهاجي، وأكمل الدراسة الابتدائية في مدرسة سورية، في دوام لا يشبه دوام طلبة المدارس، كنت في بلد غريب، مدرسة تبعد عن بيتي الكثير، كان يبدأ دوامي بعد انتهاء دوام الطلبة اللبنانيين، أي الساعة الثالثة تقريبًا، حتى الثامنة، في ليالي الشتاء المظلمة والباردة.

أنهيت الدراسة لهذا العام، وحصلت على السادس الابتدائي، كل يوم دوام كان بمثابة حرب وقتال، كأنها ساحة معركة، كنت مثل أي طفلة أخاف، لكنني أتظاهر بالقوة؛ حتى لا أبتعد عن مقاعد الدراسة، مرة أخرى، كل الطلبة كانوا سوريين، لكن الأمر مختلف كثيرًا عن مدرستي القديمة، كل فتاة كانت من مدينة، لهجات، عادات، أفكار كلها مختلفة، لكنني أنهيت ذلك العام بعلامات ممتازة؛ لأنني في ذلك البلد لا أملك لا أقارب ولا جيران، فقط مجموعة كتب مدرسية، أسست حياتي الدراسية وحدي! أبدًا لم يكن الأمر سهلًا.

أن أواصل وأستمر بالحلم كان أمرًا مرفوضًا حتى، لكنني واصلت، ولم أتوقف يومًا عن الحلم، الإعدادية كانت قصة جديدة، مدرسة جديدة، قصص جديدة، أصدقاء جدد، دوام جيد، في مدرسة مخصصة لنا، كنت أستيقظ باكرًا، أخيرًا! لكن الأمر لم يكن يخلو من التعقيدات، فالمدرسة كانت تعاني من مضايقات كثيرة؛ الأولى إعدادية كانت مثالية، الثانية لم تكن كذلك، كان توفير الكتب لهذا العام الدراسي صعبًا قليلًا، لم أفكر يومًا بترك الدراسة باعتباري سورية، والالتحاق بمدرسة لبنانية؛ السبب أنني لا أحب نظرات العنصرية التي كانت منتشرة، حتى المشي في الشارع بالنسبة لي لم يكن سهلًا.

إن بلدي في وضع حرب هذا ليس عيبًا، وإن كان عيبًا، فليس لي ذنب فيه، لذلك؛ اضطررت للانتقال بدلًا من الثانية إعدادية للثالثة، شهادة المتوسط، شهادة المتوسط في سوريا هي لا تقل عن شهادة الثانوية، منهاج ضخم ولا يخلو من الصعوبة، لكنني فعلتها، واستطعت تخطيها، بعلامات ليست سيئة، كان هذا نجاحًا، لم أفرح به كثيرًا؛ لأنه كان عليّ البحث عن مدرسة ثانوية، لأن المدرسة مختصة بالإعدادية فقط.

مكان جديد، وأجواء جديدة، ما هي المهارة التي أملكها حتى استطعت تخطي كل تلك العقبات؟ مهارة الإصرار والتكيف، أن أترك الأسباب وأبحث عن الغاية، أن أدرس مهما كانت الأوضاع سيئة؛ لأنني أريد أن أحقق حلمي، تبقّى على امتحاني الأخير حيث إنني طالبة مدرسة قرابة شهر كامل، قد تكون آخر امتحاناتي، فالجامعات هنا ترفض وجودي ضمن طلابها؛ لأنني أيضًا سورية.

كان عليّ أن أدرس ستة أعوام، حتى أكتشف أن النجاح الحقيقي في هذه الرحلة ليست بمجموعة علامات، وليست بتخطي الأعوام الدراسية, قدرتي على إكمال الدراسة، في أجواء يخيم عليها الحزن، والغربة، والشعور بالغصة دومًا، إنما النجاح الحقيقي أنني تكيفت، قد أكون مرفوضة في جامعات لبنان، لكنني أعلم أنني فعلت شيئًا لم يستطع الكثيرون فعله، المواصلة في دراسة منهج بلادي، رغم ضعف الفرص التي تجعلني أكمل دراستي، هو نجاح بالنسبة لي، المحافظة على هويتي السورية، رغم أنها عائق، هو نجاح بالنسبة لي، والأهم أن نواصل الحلم، مهما كان الواقع؛ لأن يوم الغد سيحمل قصصًا كثيرة، أنت تكتبها.

لا تنتظر أن تكتب الظروف قصة حياتك، بل اكتب أنت قصة، والظروف هي المهيئ، وليست بطل الحكاية، في كل حكاية يوجد:

1. بطل.

2. قصة.

3. مبرر القصة.

والظروف هي المبرر، فقط مبرر، لتكتب قصة نجاح أنت بطلها، فقط عليك أن تحارب، وتواصل، وعندما تصل لغايتك، تقول إنني استندت على الألم، وحولته لأمل، تكيف مع ظروفك أولًا، ثم غيرها، لا الرفض حل، لا الشكوى حل، الحل ينطلق منك أنت، هذا المقال يمثل جزءًا وإضاءة بسيطة من حياة عشتها باعتباري لاجئة.

لكنني أفتخر بها للغاية، وهذه الصورة هي صورة للحي الذي احتضن بدايات أحلامي، والذي علمني كيف أتمسك بالقوة والقدرة، وأن التغيير يبدأ من العقل والقلب ليس من الخارج، فعودة هذا الحي لحالته الأولى من خلال إعماره ليس حلًا، ولن يعود، الأهم أن نحاول بناء نفوس ساكنيه وعائلاته؛ ليعود الدفء للمكان، وهذا الذي يجعلني يوميًّا أتمسك بفكرة، علم النفس إذا لم يكن في المدارس والجامعات، فسيكون من تعليم ذاتي، ومشاريع ذاتية، سأتمكن فيها من تحقيق حلمي.

هذا المقال يعبر عن رأي كاتبه ولا يعبر بالضرورة عن ساسة بوست

عرض التعليقات
تحميل المزيد